ولا شكّ أنّ حروف الجرّ، أضعف في عملها من الأفعال، ولهذا يستحسن عدم إضمارها في العمل، وهو القياس، ولكن العرب أضمروها، إمّا على سبيل التوسع في كلامهم، كقول رؤبة:"خيرٍ عافاك الله"، وذلك جوابًا لمن سأله:"كيف حالك؟"، أو للضّرورة الشعرية، كما أشار لذلك ابن عصفور.
أعتقد صحّة مذهب الخليل وسيبويه في جواز إعمالها مضمرة، كما ورد في شواهد"الحمل على التوهم"، لأن العرب يضمرون كثيرًا في كلامهم.
كقول امرئ القيس [1] :
فظلَّ طهاة اللّحم ما بين مُنْضِجٍ ... صفيفَ شِواءٍ أو قَديرٍ معجّل
والشاهد: جرّ"قديرٍ"على توهُّم إضافة اسم الفاعل"منضج"إلى معموله"صفيف"، واحترز بالمتصل، لأنه لا يجوز العطف على معمول اسم الفاعل المنفصل نحو:"ما بين منضجٍ بالنهار صفيفَ شواءٍ"، لأنّ الانفصال يمنع توهم الإضافة"، وهو مذهب ابن مالك [2] ، ووافقه عليه السلسيلي في"شفاء العليل" [3] ."
وذهب ابنُ هشام الأنصاري، إلى أنَّ"قديرًا"في البيت المذكور، يمكن أن يكون مجرورًا على الجوار لِـ"شواء"، أو على توهم الإضافة [4] وعدّه السيوطي من شواهد الحمل على الموضع، ضمن مذهب البغداديين [5] وذهب ابن عصفور:"إلى"
(1) البيت لامرئ القيس في معلقته، وهو من شواهد ابن مالك في شرح التسهيل، ج 1، ص 371، وابن هشام في مغني اللّبيب، ج 2، ص 460، وابن عصفور في شرح المقرّب، القسم الأول، المنصوبات، ص 199.
(2) ابن مالك- شرح التسهيل، المجلد 1، ص 371.
(3) السلسيلي- شفاء العليل، ج 1، ص 338.
(4) ابن هشام الأنصاري-مغني اللّبيب، تحقيق: مازن المبارك وشريكه، ص 600.
(5) السيوطي - همع الهوامع، ج 5، ص 278، وكذلك شرح شواهد المغني، ج 2، الشاهد 694، ص 857.