فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 98

بعضها أكثر من بعض) [1] ؛ فالبدعة عندما يسر بها القلب- عياذًا بالله- تصد القلب عن الفهم, فيكون حائلًا بينه وبين الإدراك والمعايشة, بل قد يؤدي إلى غير المراد؛ لأن ميزانه غير منضبط, وقياسه غير سليم, وقد حدد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفًا لهذا القلب المعوج الذي تنكت فيه النكت السوداء, فتحول بينه وبين معرفة المعروف, وإنكار المنكر بالكوز المجخي, فيقول - صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا, عودًا فأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء, وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء, حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض كأنما فيه سراج يزهر, وكالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا» [2] ؛ ولذلك حرص علماؤنا على بيان خطر مرض القلب في الفهم والإدراك, فقال ابن قدامة- وهو يعرض لهذا الأمر الجلل: (وليتخل عن موانع الفهم, ومن ذلك أن يكون مصرًا على ذنب, أو متصفًا بكبر, أو مبتلى بهوي مطاع, فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه, فالقلب مثل المرآة, والشهوات مثل الصدأ, ومعاني القرآن مثل الصورة التي تتراءى في المرآة, والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل جلاء المرآة) [3] "، وقد يكون القلب سليمًا لكنه غائب عما يقرأ, لاه عما يتلو, فلا ينتفع بتلاوة, ولا يفيد من قراءة, ويستوي في ذلك مع مريض القلب في هذه الصفة, وقد قسم ابن القيم- رحمه الله- تعالى- القلوب, وذكر أن غياب القلب عما يعاين صارف من صوارف الفهم, فقال: (الناس ثلاثة رجل قلبه ميت، ورجل له قلب حي لكنه مشغول ليس بحاضر, فهذا له الذكرى, والثالث رجل حي القلب مستعد تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه, وألقي السمع, وأحضر القلب, ولم يشغله بغير فهم ما يسمع, فهو شاهد القلب, فهذا هو الذي ينتفع بالآيات) [4] "

(1) البرهان: ج 1 ص 181.

(2) صحيح مسلم: ج 1 صـ,129 ط: دار إحياء التراث العربي, بيروت, ت/ محمد فؤاد عبد الباقي.

(3) مختصر منهاج القاصدين, 67 - 68.

(4) انظر مدارج السالكين: 1/ 442, بتصرف يسير, وانظر تدبر القرآن صـ 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت