وأثرها في فهم القرآن الكريم, فذكر عند حديثه عن مراتب التفسير وأنها متعددة أن أعلى مرتبة من مراتب التفسير لاتتم إلا بأمور منها: (فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن, بحيث يحقق للمفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة, غير مكتف بقول فلان وفهم فلان؛ فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن النزول لمعان, ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد, من ذلك لفظ التأويل اشتهر بمعنى التفسير مطلقا, أو على وجه الخصوص, ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى, كقوله تعالى:"هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول اللذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق" [1] فما هذا التأويل؟ يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة, ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب؛ فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الأولى, فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله, والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه, بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه, فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ الهداية وغيره ويحقق كيف يتفق معناه, مع جملة معنى الآية, فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه, وقد قالوا: إن القرآن يفسر بعضه بعضا, وإن أفضل قرينة تعين على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سيق له من القول, واتفاقه مع جملة المعنى, وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته) [2] , ولا يخفى أن هذا الكلام في غاية البيان عن ضرورة دراسة المفردة في عصر نزولها واستخدامها الأول, ودراستها من خلال دورانها في القرآن الكريم, فقد ترد المفردة في مواطن متعددة بمعان متعددة كما سبق في كلام
(1) - الأعراف: من الآية 53.
(2) المنار: 1/ 19،20.