ولم يكن هذا الجهد من الجيل الأول في حفظ القرآن الكريم والحفاظ عليه إيعاب ذاكرة مجردة, أو استظهار قلب غافل, بل تبع ذلك الحفظ الذي لا ينخرم, والاستظهار الذي لا ينصرم معرفة بمضامينه, وقضاياه, وأمثاله, وقصصه, وأوامره, ونواهيه, وحكمه, وإشاراته, وتلتهم الأجيال المتعاقبة تكتب في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالقرآن الكريم, في مكيه ومدنيه, في إحكامه وتشابهه, في نزوله, وحججه, وفي قصصه, وتصويره, وإعجازه, وبيانه, يستوقفون أنفسهم عند نتائجه, بعد تعرفهم على مقدماته, ويقفون على قضاءه, بعد معرفتهم لأدلته وبيانه, أخرج مسلم في صحيحه أنه لما نزل قول الله تعالى:"الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" [الأنعام: 82] قالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه قال- صلى الله عليه وسلم: إن الظلم هنا ليس الذي تعنون, إنما هو الوارد في قول العبد الصالح: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) [1] , فانظر كيف استوقفهم المعنى, ولم يتجاوزوه حتى يعوه, فيطبقوه, وكم مرت بنا هذه الآية وأمثالها ولم يتفكر فيها المرء كما ينبغي ... - ... - 3 -
من هنا أعطاهم القرآن الكريم عزًا حقيقيًا, وسؤددًا صادقًا, فقادوا العباد, وفتحوا البلاد, بأمر الله رب العالمين, حتى قال الفاروق - رضي الله عنه - وأرضاه: (لقد كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله) [2] ، وصدق ربعي بن عامر بحاله ومقاله هذا الأمر, فعلم رستم ذلك بقوله: (إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد, ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة, ومن جور
(1) - البخاري ج 3 ص 1226, برقم 3181, ومسلم ج 1 ص 114, برقم 197.
(2) - - المستدرك: ج 1 ص 130,وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين لاحتجاجهما بأيوب بن عائظ الطائي وسائر رواته ولم يخرجاه