الأمم من حكماء الغرب: (إن الفنون لا تستحكم في أمة من الأمم إلا في ثلاثة أجيال: جيل التقليد, وجيل الخضرمة, وجيل الاستقلال, وشذ العرب وحدهم فاستحكمت فيهم ملكة الفنون في جيل واحد) [1] . إن ذلك وإن كان مخالفا لما عهده الناس من تطور وتدرج, إلا أنه ماض على النمط الطبيعي الذي يلتقي فيه الوحي الذي هو من روح الله تعالى, مع الإنسان الذي هو من نفخته:"وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور" [2] , وكذلك"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" [3] , فإذا التقت النفختان حدثت المعجزات .... لقد أخرج القرآن العرب- عندما فهموه من طور البداوة الموغلة, إلى نسمات الحضارة الباهرة فأصبحوا- وهم بالأمس رعاة إبل وغنم - قادة الدنيا ورواد الأمم, ليس ذلك لخصائص في أنفسهم فحسب إنما أيضا لهذه الروح التي سكبت في أنفسهم أثر امتزاجها بالقرآن, (كان المسلم العربي يتولى حكم بلد, أو ولاية, وهو لا علم له بشيء من فنون الدولة, ولا من قوانين الحكومة, ولم يمارس من أساليب السياسة, ولا طرق الإدارة, وإنما كل ما عنده من العلم بعض سور من القرآن, فيصلح من تلك الولاية فسادها, ويحفظ أنفسها, وأموالها, وأعراضها, ولا يستأثر بشيء من حقوقها, هذا وهو في حال حرب وسياسة وفتح مضطر لمراعاة تأمين المواصلات مع جيوش أمته وحكومتها, وسد الذرائع لانتقاض أهلها, وإذا صلحت النفس البشرية أصلحت كل شيء تأخذ به, وتتولى أمره, فالإنسان سيد هذه الأرض, وصلاحها وفسادها منوط بصلاحه وفساده, وليست الثروة ووسائلها من صناعة, وزراعة, وتجارة هي المعيار لصلاح البشر, ولا الملك ووسائله من القوة والسياسة؛ فإن البشر قد أوجدوا كل وسائل الملك والحضارة, من علوم وفنون وأعمال, بعد أن لم تكن؛ فهي إذًا نابعة من معين الاستعداد الإنساني, تابعة له, دون عكس, ودليل ذلك في العكس كدليله في الطرد؛
(1) المنار: 1/ 7
(2) الشورى: 52 - 53.
(3) الحجر:29.