ولما كانت المظالم العقوبة عليها للاعتبار للناس جعل الله جل وعلا الظالم يمهل حتى يكون الأمر متعديًا، فيمهل الله جل وعلا الظالم فلا يعاقبه وهو في الأرض، فلا يراه إلا أهله وزوجته؛ لأنه لا يراه أحد، وإنما يرفعه الله عز وجل بالظلم شيئًا فشيئًا حتى يبلغ السماء، فإذا بلغ السماء ورآه الشرقي والغربي بظلمه أمر الله جل وعلا به فنزل، وكانت عقوبته للبشرية تامة، ويظهر في ذلك الاعتبار أظهر من عقوبة الله سبحانه وتعالى للأفراد؛ لأن الله جل وعلا لو عاقب فردًا ما علم به إلا من حوله، ولكن يعاقب فردًا بعد أن يرفعه ويستطير شرًا، ولله جل وعلا في ذلك سنن وموازنات فيمن خالف حكم الله سبحانه وتعالى وأمره سبحانه وتعالى، والله جل وعلا حينما يسلط ظالمًا على عباده فإنه يكون بعدل من الله سبحانه وتعالى، وهذا العدل من الله جل وعلا أن الله لا يسلط الظالم على المجتمعات إلا لحكم، منها ما يكون عقوبة لأفراد، ومنها ما يكون تمحيصًا وتكثيرًا ورفعة وغير ذلك من أنواع الحكم، والله جل وعلا لا يسلط ظالمًا على معافى من سائر الذنوب، وإنما لحكمة يوازنها الله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى قد جعل أيدي بعض الظالمين تطال أطهر الأجساد وهو جسد محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا نالته أيدي الظالمين، ونالته ألسن الظالمين بالبغي والتعدي عليه نزلت العقوبة، فقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنواع الأذى، فتعدي على جسده وعرضه، وكذلك دمه وماله، وأخرج من دياره عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أن الله يطلق يد الظالم عليهم، فيتنوعون، فمنهم الفاسق بفسقه، ومنهم الظالم بظلمه، ومنهم الصالح لأجل تمحيصه وإعلائه ورفعته حتى تكون له العاقبة، وهذه حكم متنوعة، وإن كانت اليد في ذلك واحدة، وهذا وإن تأمل الإنسان في إمهال الله سبحانه وتعالى وإملائه للظالمين تظهر له الحكم السابقة، ويظهر له أيضًا جملة من الحكم أيضًا العكسية، أن الله جل وعلا يريد أن يظهر