إنزال هذا الوصف (الانتحار) على صورة العمليات يتطلب قياسه عليه، والعمليات بالصورة الثانية (التلغيم والتفخيخ) حادثة كما ذكرنا فهل يصح هذا القياس؟.
أول متطلبات القياس الصحيح العلة الجامعة بين الأصل والفرع، أي الوصف المشترك المؤثر في الحكم فهل علة العمليات التي أثبتناها في أول بحث الانغماس تلتقي مع علة الانتحار التي حققناها آنفا؟ وهل يجمعهما وصف مؤثر منضبط؟.
الجواب: أن مناط العمليات يختلف تماما عن مناط الانتحار، فالعمليات مظلتها الحقيقية ووصفها الفاعل هو مناط النية (في سبيل الله) وطلب الاستشهاد، وقد دللنا على ذلك ببحث الأدلة ومناط الانتحار الذي أثبتناه قبيل هذه السطور هو مناط الجزع واليأس والقنوط من رحمة الله، وللمنصف أن يتأمل كيف لهذين الوصفين أن يجتمعا في صورة عمل واحد، ويؤثر كل منهما في هذه الصورة، إذ كيف يلتقي وصف الذي باع نفسه لله وأقبل على الله تصديقا بوعده وامتثالا لأمره ورضا بأحكامه {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} ، مع وصف الذي سخط على ربه ويأس من رحمته ورد أحكامه، فلم يجد بدا ففر إلى غضبه، وناره بقتل نفسه هل يستويان مثلا؟ ... سبحانك هذا بهتان عظيم.
فالحق أن مناط كل من العملين في اتجاهين متعاكسين، وقد بينا أن النية تتسلط على جوهر العمل وحكمه، فالعمليات في صورتها العملية بائنة تماما عن صورة الانتحار العملية، لارتهان كل من العملين بنيته، فيتحصل أن العمليات كصورة عمل آخر لا يندرج تحت أصول الانتحار بحال من الأحوال، وهذا كاف لإبطال القياس المزعوم (يسمى قياس مع الفارق عند الأصوليين) ، لوجود الفارق المعتبر والمؤثر، بين علة شرقية، وعلة غربية، والولد للفراش وللعاهر الحجر.
فرضية نتنزل بها:
لو افترضنا أن صورة العمليات يمكن (جدلا) أن تدخل تحت أصل الانتحار بعموم أصله،