لحصل تنازع شديد بين مناط عملياتنا الاستشهادية وبين مناط الانتحار المشئوم، ولضاق الفهم عن تصور اجتماعهما فضلا عن نشوء أرحام بينهما، فلا بد حينها من المشاكسة والمغالبة، وإذا كان الأمر كذلك، فالعمليات الاستشهادية تبرز أصل مناطاتها وأسها الأعظم: وصف النية الخالصة المبطونة في سبيل بارئ النفس ومن سوّاها، نية في سبيل الله التي لا تعدلها نية، فهي أشدّ وطأ في العمل وأقوم في القول، ففي سبيل الله شرع الجهاد ذرة سنام الإسلام، وأفضل العمل في أحاديث، وفي سبيل الله استبيحت دماء وأموال وأعراض أهل الكفر والعناد، وفي سبيل الله اشترى الله نفوس المؤمنين وأموالهم على أن يتلفوا هذه النفوس والأموال والأطراف والأعضاء ابتغاء مرضاته وطلبا فيما عنده، وفي سبيل الله أُذِي خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، ودمي أصبعه، وتحزب عليه الأحزاب وحوصرت مدينته، وبلغت القلوب الحناجر، وللعقل أن يتصور ما يبذل في ساحات الجهاد مما يظنه مفاسد ومهالك، قد أذن فيه الشرع وألغى مفسدته، وألحق بالضرر والأذى الحاصل في سبيل الله تعويضا عظيما من الأجر والمثوبة.
فأنى لأي مناط أن يقابل مناط النية المبذولة لله أو يزاحمها؟ فمناط الانتحار الذي بيناه بالجزع واليأس والقنوط من رحمة الله لا يقوى على إدخال مناط في سبيل الله في أصله، فتكون العمليات الاستشهادية مخصوصة من الأصل لاعتبار مناطها وقوة تأثيره (تنزلا مع الفرضية) .
ولتتضح الغلبة، نبين أن هذا في حال اعتبرنا تفرد كل من المناطين بالمشاكسة، فكيف إذا أضيف لمناط (في سبيل الله) مناط (طلب الشهادة) ومناط (النكاية) ومناط (تحصيل المصلحة الراجحة) ومناط (اليقين بالموت) ومناط (الانغماس) ، فأين مناط الجزع واليأس؟، وما هو محله من الإعراب أمام صورة مدججة بهذه الأوصاف والمناطات؟، الظن أنه سيلقي الطاعة والاستسلام ويقول لنفسه ليس هذا عشك فادرجي.
فمع فرض أن مناط الانتحار عام في أصله، إلا أنه يضعف تأثيره في مسألتنا لوجود المناطات المنصوص عليها والمبينة سابقا.