الفصلُ الأوّل
(صُوْرَةُ العَمَلِيّاتِ الاسْتِشْهَادِيّة)
الكلام على العمليات الاستشهادية تتفرع عنه صور عدة، منها ما كان مطروقا للبحث لدى سلف الأمة والمتقدمين من أهل العلم، ومنها ما هو حادث طارئ، استجد به البحث على موائد العلم ومجالس الفقه في زماننا، خاصة بعد ظهور التقنية الحديثة، وبروزها كعصب للحرب المتطورة.
ولكن هذه العمليات ترجع في أصلها إلى وصف مشترك هو الانغماس في العدو، وبه عرفت عند الفقهاء كرسم للمسألة وعَلمًا عليها، وحقيقة هذا الانغماس: (أن يقتحم مسلم أو جماعة قليلة العدو الكثير من الكفار) .
وهذه الحقيقة تلبّست بأوصافٍ عديدة، أظهرت صورا مُتخيّلة مختلفة، لكنها لا تحمل فروقا جوهرية، فظن بعض من نظر إلى صور المسألة أن هناك فروقا حقيقية، والأمر ليس كذلك فاجتماع عدد من المناطات في مسألة واحدة معلوم مشهود، وإن كانت هذه المناطات مؤثرة في الحكم أم غير مؤثرة قاصرة أم متعدية.
وعند التأمل جيدا يمكن أن نميز بين صورتين أساسيّتين لمسألة الانغماس (العمليات الاستشهادية) :
-الصورة الأولى (الانغماس بالالتحام) : أن ينغمس المسلم المجاهد، أو جماعة قليلة من المجاهدين في العدو الكثير، بقصد النكاية فيه، وتحصيل مصلحة راجحة، وطلب الشهادة، مع غلبة الظن أو اليقين بالموت في سبيل الله، قتلا بيد العدو.