وأما من الجهة الثانية، فمعلوم أن الجهاد، وخوض الحروب، مظنة الهلاك وإتلاف النفس والمال، فغلبة الظن بالموت، وصف يتردد كثيرا على صور الأعمال الجهادية، إن لم يكن ملازما لها، فكيف إذا علم أن كثيرا من وقائع الأعمال الجهادية ومواقفها موسومة بالهلاك المحقق، وساحاتها تشهد بأن الموت قد أقفل أبوابها وسد منافذها، وخاصة بعدما تطورت التقنية العسكرية بشكل فظ، وظهرت أسلحة التدمير الشامل، وغيرها من أسلحة الإبادة ليس للبشر فحسب بل للمخلوقات الحية، فيلزم من اعتبار الفرق بين المناطين، بأن نأذن بغلبة الظن، ونمنع من اليقين، فيلزم منه أن نعطل كثير من ساحات العمل الجهادي، وأن نضيق على أهل الجهاد في ممارساتهم القتالية، مع قلة ذات اليد، وضعف المدد (إلا من الله) .
ومع هذا، فلا دليل يجعل الفرق بين المناطين مؤثرا، فالفرق بينهما صوري، والمسافة بينهما قصيرة جدا، وخاصة إذا جمع إليها مناطات أخرى، واعتبرنا ما سيأتي من أدلة، أضحى الفرق خياليا.
المناطان السابع والثامن
(التَّسَبُّبُ والمُبَاشَرَةُ بِقَتْلِ النَّفْسِ)
المصطلحان استخدما في لغة الفقهاء للتفريق بين حقيقتين لهما علاقة بالفعل, فالحقيقتان مختلفتان في الصورة، ولكن نتيجتهما واحدة في الحدث أو الفعل فالتسبب: المشاركة بالفعل بسبب خارجي دون مباشرته ابتداء، والمباشرة: ابتداء الفعل أو الحدث باليد.
و في مسألتنا التسبب: بأن يقتل المسلم بيد العدو، أو سلاحه (قنابل - آليات - صواريخ) ، والمباشرة: بأن يقتل المسلم ابتداء، بتلغيم نفسه، أو تفخيخها، ثم يقتل العدو.
وعند دراسة المناطين يظهر أن الفرق بينهما غير مؤثر في الحكم، مع العلم أن أشد الاعتراضات التي ووجهت بها العمليات أتى من هذا الفرق بين هذين المناطين، لذا أفردنا الكلام عليهما في بحث إثبات القياس بين المسألتين (الانغماس مع الالتحام، والانغماس بالتلغيم والتفخيخ) ، ويتحصل منه، أن الفرق صوري، غير مؤثر في الحكم على العمليات.