به ساق زفر ليضربه، ويرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، قال فلما قفلوا قال سلمة رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي، قال ما لك قلت له فداك أبي وأمي زعموا أن عامرا حبط عمله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كذب من قاله، إن له لأجرين وجمع بين إصبعيه، إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله) [1] .
فصورة الفعل، أن عامرا قتل نفسه فهل دخل في حكم الوعيد المنصوص عليه في الحديث؟، الجواب لا لأن الفعلان وإن اتفقا في الصورة لكن اختلفا بمناط النية الذي بيناه في مكانه [2] مع أمثلة له، فعامر قتل نفسه خطأ وأخذ أجر الشهيد كما في روايات أخرى، وهذا يدل على أن المناط في حديث أبي هريرة ليس هو قتل النفس فقط، بل لابد من اعتبار مناط النية الذي يتسلط على الفعل حكما ومضمونا فيقضي عليه بالصحة أو الفساد والتغيير والتبديل، وسياق الحديث يشير إلى المناط بمفهومه، فالذي حمل حديدة ليقتل نفسه بها حتى يقتل، والذي شرب سما ليقتل نفسه، والذي تردى من الجبل حتى يقتل، لم يفعل ذلك إلا يأسا وقنوطا وجزعا، ومع إقرارنا بعموم الحديث إلا أنه ذكر حالات وهيئات معينة تضمنت على أوصاف، كمن قتل نفسه بحديدة، ومن شرب السم، ومن تردى من جبل فهذه الهيئات والأوصاف المتلبسة بالفعل، تعارف البشر أنها لا تكون إلا ممن استحكم اليأس والجزع في قلبه، فيفهم أن مناط الانتحار المتوعد بالنصوص هو اليأس والجزع والقنوط من رحمة الله المستلزم لعدم الإيمان بالقدر وعدم الرضا بقضائه.
-مناط حديث ثابت: وفيه من قتل نفسه بشيْ عذب به في نار جهنم، والحديث عام فيمن قتل نفسه بشيْ، ويرد عليه ما أوردناه على حديث أبي هريرة من الاستثناء والتخصيص، وتوجيه العلة المؤثرة في الحكم إلى مناط النية المتسلطة على الفعل، فبالمفهوم المناط هو اليأس والقنوط والجزع.
-مناط حديث جندب: حديث جندب صرح بالعلة، بقوله صلى الله عليه وسلم: (فجزع) ، فتسبب الجزع
(1) - رواه البخاري (5682) ومسلم (3363) والنسائي (3099) وأبو داوود (2176) وأحمد (15906) .
(2) - راجع شرح مناط النية (في سبيل الله) فقد ذكرنا بعض الأمثلة لكلامنا هذا.