فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 156

(وصية)

كما حذروا من التخلق ولو بواحدة من مذموم الخصلتين فكذلك حذروا من مجالسة من عرف بهما لما في مذاكرته من المضرة الزائدة على عدم الفائدة.

ذكر الشيخ في «المختصر» عن رسالة لبعض العلماء: «يا أخي، نافس في العلم أهله. واجهد نفسك في الازدياد منه، ولا يكن همك ما يفعله الضعفاء من منتحليه، تحلّوا باسمه ولا حظّ لهم فيه، تشاغلوا عن العلم بالغمص على ذوي الفضل، فهم يعرفون فضله، ويجهلون سنته، ويتشرفون بذكره، أفضل منازعتهم فيه المراء، وأحسن مراجعتهم فيه التوبيخ، وأبلج حججهم فيه اللجاج، وأحمد شواهدهم عليه الدعوى، وأقوى سلاحهم في خصومتهم التضاحك. أولئك فاجتنب، ومنهم فتوقّ، فإنهم مشغلة عن الفهم، ومدعاة إلى الغضب، ومزهدة في الطلب» .

ثم قال ما تقدم نقله عند الكلام على تحضيض المتعلم على استعانته بمصاحبة المجتهدين، «وعليك بمن يزيدك كلامه فهما، ومنازعته علما، والاستماع إليه حكمة، والنظر إليه عبرة. وإن تكلم لم يلغ، وإن صمت لم يله، وإن نظر لم يغفل، وإن طلب لم يبطئ، فاستكثر من هؤلاء، فنعم الخلطاء هم، إن غفلت أيقظوك، وإن زللت استنقدوك، لا يتعايبون بالهمز، ولا يتنابزون

بالألقاب، إخوان صدق وخير، وهبنا الله وإياك من يكون لنا على الخير عونا إنه وليّ قدير» اهـ.

الوظيفة الثانية: مجاهدة النفس في اجتناب ما عسى أن يتولد عن المذاكرة من حسد، وتكبر، وحقد، وغيبة، وتزكية نفس، ونفاق، وفرح بخطإ مذاكره، واستكبار عن قبول الحق منه إلى غير ذلك من الآفات التي بسطها الغزالي في المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام. وملاك ذلك: سلامة الصدر من المنافسة على حظ من حظوظ النفس.

ومن علامة ذلك أن يكون بعد الانفصال عن المذاكرة مع صاحبك على حد ما كنت عليه قبلها. فلا يتغير قلبك، ولا تجد في نفسك ما يحملك على إظهار شيء من تلك الآفات المشار إليها، ولك في فضلاء السلف أسوة حسنة، فعلى مناهجهم فاسلك إن كنت بهم مقتديا.

حكى الشيخ أبو عمر عن العباس بن عبد العظيم العنبري قال: «كنت عند «أحمد بن حنبل» ، وجاءه «علي بن المديني» راكبا على دابة قال:

فتناظرا. وذكر ما كانت فيه المناظرة.

قال: وارتفعت أصواتهما حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان «أحمد» يرى شيئا و «علي» يأبى ويدفع. فلما أراد «علي» الانصراف، قام «أحمد» فأخذ بركابه».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت