وقد اختلف الناس في جواز وطئ النساء في أدبارهن. وحجة من ذهب لإجازته ظاهر الآية. وانفصل عن ذلك القائل بتحريمه، بأن المراد بها ما نزلت عليه من السبب، والعموم إذا خرج على سبب قصر عليه عند بعض أهل الأصول. وعن مالك في هذا الأصل روايتان: إحداهما: ما قدمناه. والثانية: أنه لا يقصر على سببه بل يحمل على عمومه. وعلى هذه الرواية تكون الآية حجة لمن نفى التحريم. ولكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع منه فيكون ذلك تخصيصًا لعموم الآية بأخبار الآحاد، وفي ذلك خلاف بين الأصوليين. وروي عنه صلى الله عليه وسلم: (( إتيان النساء في أدبارهن حرام ) )وقال: (( ملعون من أتى المرأة في دبرها ) )وقال: (( من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على قلب محمد ) ). وقد روي عن مالك إباحة وطئ المرأة في دبرها. وذكر عنه أنه كان يحتج بهذه الآية وبقوله
تعالى: {أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} [الشعراء: 165، 166] ويقول إن ذلك أحل من ماء القراح أو كلامًا هذا معناه. وروي عنه أنه كان يحتج أيضًا لإباحة ذلك بقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 65] ويرى أن عموم ذلك يقتضي إباحة وطئهن فيما هنالك. والجواب عن ذلك أن معنى الآية الأولى: {ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} [الشعراء: 166] مما فيه شهوتكم من إتيان الفرج. وأما الآية الأخرى فدالة على الإباحة المطلقة لا على موضع الإباحة كما لم تدل على وقت الإباحة في الحائض وغيرها، ومما يتعلق به من حرم الوطء هنالك أن قوله تعالى: {قل هو أذى} [البقرة: 222] تعليل لتحريم وطئ الحائض بما يقتضي تحريم الوطء في اتلموضع المتنازع فيه لأنه موضع الأذى. وهذا المعنى، كان يقتضي تحريم وطئ المستحاضة لولا الحرج في تحريم وطئها لطول أمد الاستحاضة. وروى عنه علي بن زياد أنه سأله عن إتيان النساء في الدبر، فأباه وأكذب من نسبه إليه. وهذا هو الذي يليق بمالك رحمه الله. وروي عن عبد الله بن عمر إجازته. وروي عنه أيضًا خلافه وتكفير من فعله.
ورواية الإباحة أيضًا عن أبي مليكة، ومحمد بن المنكدر.
(223) - وقوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} [البقرة: 223] .