وَ (ذِكْرًا) : تَمْيِيزٌ، وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ مُشْكِلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ أَفْعَلَ تُضَافُ إِلَى مَا بَعْدَهَا إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا ; كَقَوْلِكَ ذِكْرُكَ أَشَدُّ ذِكْرٍ وَوَجْهُكَ أَحْسَنُ وَجْهٍ ; أَيْ أَشَدُّ الْأَذْكَارِ، وَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ.
وَإِذَا نَصَبْتَ مَا بَعْدَهَا كَانَ غَيْرَ الَّذِي قَبْلَهَا ; كَقَوْلِكَ زَيْدٌ أَفْرِهِ عَبْدًا، فَالْفَرَاهَةُ لِلْعَبْدِ لَا لِزَيْدٍ، وَالْمَذْكُورُ قَبْلَ أَشَدَّ هَاهُنَا هُوَ الذِّكْرُ، وَالذِّكْرُ لَا يُذْكَرُ حَتَّى يُقَالَ الذِّكْرُ أَشَدُّ ذِكْرًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ الذِّكْرُ أَشَدُّ ذِكْرٍ بِالْإِضَافَةِ ; لِأَنَّ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَابْنُ جِنِّي وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ جَعَلَ الذِّكْرَ ذَاكِرًا عَلَى الْمَجَازِ، كَمَا تَقُولُ زَيْدٌ أَشَدُّ ذِكْرًا مِنْ عَمْرٍو وَعِنْدِي أَنَّ الْكَلَامَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرُ: أَوْ كُونُوا أَشَدَّ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْكُمْ لِآبَائِكُمْ وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) ; أَيْ كُونُوا ذَاكِرِيهِ وَهَذَا أَسْهَلُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(201 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: فِي مُتَعَلِّقَةً بِآتِنَا وَأَنْ تَكُونَ صِفَةً لِحَسَنَةٍ قُدِّمَتْ فَصَارَتْ حَالًا. (وَقِنَا) : حُذِفَتْ مِنْهُ الْفَاءُ، كَمَا حُذِفَتْ فِي الْمُضَارِعِ إِذَا قَلْتَ يَقِي، وَحُذِفَتْ لَامُهَا لِلْجَزْمِ، وَاسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ لِتَحَرُّكِ الْحَرْفِ الْمَبْدُوءِ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(203 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) : إِنْ قِيلَ: الْأَيَّامُ وَاحِدُهَا يَوْمٌ، وَالْمَعْدُودَاتُ