وقالَ سفيانُ: الحسنةُ فِي الدنيا العِلْمُ والرزقُ الطيّبُ ؛ وفي الآخرةِ الجنة.
والدُّعاءُ من أفضلِ أنواع ذكْرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ. وقد روى زيادٌ الجصَّاصُ عن
أبي كنانةَ القرشيِّ أنَّه سمع أبا مُوسى الأشعريَّ ، يقولُ فِي خطبتِهِ يومَ النَّحْر:
بعد يومِ النَّحرِ ثلاثةُ أيامٍ التي ذكرَ اللَّهُ الأيامَ المعدُوداتِ لا يُرَدُّ فيهنَ الدُّعاءُ.
فارفعُوا رغبتكُم إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
وفي الأمرِ بالذكرِ عند انقضاء النُّسُك معنًى ، وهو أنَّ سائر العباداتِ
تنقضِي ويُفرغُ منها ، وذِكْرُ اللَّه باقٍ لا ينقضي ولا يفرغ منه ، بل هو مستمرٌ
للمؤمنينَ فِي الدنيا والآخرةِ.
وقد أمرَ اللَّه تعالى بذكر عند انقضاءِ الصلاةِ ، قال اللَّهُ تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) .
وقال تعالى فِي صلاةِ الجمعةِ: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) .
وقال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ(7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) .
رُوي عن ابنِ مسعود ، قالَ: فإذا فرغتَ من الفرائضِ فانْصَبْ.
وعنه فِي قولِه تعالى: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) قال: فِي المسألةِ ، وأنتَ جالسٌ.
وقال الحسنُ: أمرَه إذا فرغَ من غزوهِ أن يجتهدَ فِي الدُّعاءِ والعبادةِ.
والأعمالُ كلُّها يُفرغُ مِنْهَا ، والذِّكْرُ لا فراغَ له ، ولا انقضاءَ ، والأعمالُ
تنقطعُ بانقطاع الدنيا ولا يبقى منها شيء ٌ فِي الآخرة ، والذِّكرُ لا ينقطعُ.
المؤمنُ يعيشُ على الذكرِ ، ويموتُ عليه ، وعليه يُبعثُ.
أحسِبْتُمُ أنَّ اللياليَ غَيَّرتْ ... عهْدَ الهَوى لا كانَ مَن يتغيَرُ
يفنى الزَّمانُ وليس يفنى ذِكْرُكُمْ ... وعلى محبَّتِكُم أمُوتُ وأحْشَرُ