وقد قال قوم بجواز التكليف بالقسمين، وقوم بامتناعه فيهما، وآخرون بجوازه في المحال لغيره، دون ذاته، والأشبه الأول. وإذا اشترك القسمان في استحالة الوقوع، فلا أثر للفرق بالإمكان الذاتي وعدمه.
ومأخذ الخلاف في هذه المسألة أن المقصود من التكليف الامتثال وامتحان الطائع من العاصي عند المعتزلة، فلذلك اشترطوا كون الفعل المكلف به ممكنا، وعند الجماعة ليس المقصود منه ذلك بل المقصود جعل وجود الفعل أو عدمه علما أو أمارة على الثواب أو العقاب، وعلى السعادة أو الشقاء، وذلك حاصل من التكليف بالممكن وغيره، أما وقوع التكليف بما لا يطاق، فقد اختلف فيه أيضا، والأشبه أنه وقع في مسألة خلق الأفعال على رأي الجبرية والكسبية؛ إذ الإنسان مكلف بكسب ما خلقه الله - عز وجل - وهو تحصيل الحاصل، وفي مسألة تكليف الكافر بالإيمان مع العلم بأنه سيموت كافرا، وإذا تعلق علم الله - عز وجل - بوجود شيء أو عدمه[فهل يبقى خلاف معلوم الله - عز وجل - مقدورا أم لا؟ فيه قولان.
والحق أنه مقدور لذاته لا لغيره].
واعلم أن مواد الأفعال ثلاث: واجب، وممتنع وممكن خاص، فالممكن يجوز التكليف به إجماعا، والواجب والممتنع يخرج التكليف بهما على تكليف المحال، والله - عز وجل - أعلم بالصواب. انتهى انتهى {الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية، للطُّوفي} ...