{لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] تعريض باليهود والنصارى حين كفروا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وكفرت اليهود بالمسيح، والكل رسل الله - صلواته عليهم أجمعين - كما سيأتي تقريره إن شاء الله - عز وجل.
{لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ} (286) [البقرة: 286] احتج به المعتزلة على امتناع تكليف ما لا يطاق؛ لأنه لا يدخل تحت الوسع وما لا يدخل تحت الوسع لا يكلف به، فما لا يطاق لا يكلف به، والأولى قاطعة والثانية سمعية بهذه الآية.
ولأن التكليف شرطه الإمكان ليتبين المطيع من العاصي، فما ليس بممكن لا يكلف به، وإلا كان جورا.
{رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا} [البقرة: 286] هذا رفع للتكليف الناسي والمخطئ، كقوله - عليه الصلاة والسّلام - «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولأن التكليف شرطه الفهم وإلا لكلف الجماد والحيوان الأعجم، وهو باطل، ثم الناسي والساهي لا يفهم فلا يكلف، وأما المخطئ فلم ينتهك حرمة، ولا قصد له حتى ينتظمه دليل التكليف، فإن ترتب حكم التكليف على أحد منهم كالصائم يفطر وتلزمه الكفارة بالنسيان، والمخطئ في القتل تلزمه الدية، ونحو ذلك - فهو من باب ربط الأحكام بالأسباب أو مخصوص من عموم القاعدة بدليل: {رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً} [البقرة: 286] احتج به من أجاز تكليف ما لا يطاق وإلا لم يكن لهذا السؤال فائدة، واعلم أن بعض الأصوليين يترجم هذه المسألة بتكليف ما لا يطاق، وبعضهم بتكليف المحال، وما لا يطاق يطلق تارة على ما يشق فعله وإن أمكن لذاته، وتارة على ما لا يمكن وقوعه، والمحال إما لذاته كالجمع بين الضدين، وإما لغيره كإيمان من تعلق علم الله - عز وجل - بأنه لا يؤمن.