أمره ونهيه في حقوق الزوجية، فالعموم المذكور مخصوص بما إذا لم يظنا إقامة الحدود بعد التراجع، فلا يجوز لهما، وحاصله أنهما إن ظنا إقامة الحدود بعد التراجع جاز وإلا فلا، فإن قيل: ما الحكمة في أنها لا تحل لمطلقها ثلاثا إلا بعد نكاح زوج ثان؟ قلنا: زجر الرجال عن الطلاق؛ لأن من علم أن زوجته إذ طلقها ثلاثا لا يقدر عليها إلا بعد/ [28 أ/م] أن ينكحها غيره، وذلك مما تأنف منه الطباع والنفوس الأبية احتملها على ما كان منها، واستبقاها فلم يطلقها خشية ما يأباه طبعه من نكاح الزوج الثاني.
فكان في اشتراط النكاح الثاني استبقاء النكاح الأول على نحو {وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (179) [البقرة: 179] .
إذ في القتل استبقاء الحياة، أو نقول: في النكاح نفي الطلاق، كما في القصاص نفي الجناية.
قوله عز وجل: {وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة: 231] عام مطرد؛ لأن من طلق المرأة طلاقا رجعيا، ثم كلما قارب انقضاء عدتها راجعها إضرارا بها وعدوانا، فقد ظلم نفسه بالإثم فيها لتعويقها عن مصلحتها وحبسها/
[57/ل] على ما تكره، وكذلك من راجعها وأمسكها بغير المعروف ضرارا عدوانا، والآية تحتمل الوجهين، والأشبه بالمراد الثاني.
{وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً} [البقرة: 231] عام مطرد في تحريم الاستهزاء بآيات الله عز وجل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ} [التوبة: 65] .