فإن قلت: قولهم: {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} تكذيبٌ أيضًا؛ لأنّه تعالى أخبر أنّه لا ولد، وقولهم: لن يعيدنا، شتمٌ أيضًا؛ لأنّه نسبةٌ له إلى العجز؛ فَلِمَ خصَّ أحدهما بالشتم، والآخر بالتكذيب؟
قلت: نفي الإعادة نفي صفة كمالٍ، واتخاذ الولد إثبات صفة نقصانٍ له، والشتم أفحش من التكذيب، والكذب على الله فوق الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وفي الحديث:"إنّ كذبا عليَّ ليس ككذب على أحد"؛ يعني: الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أعظم أنواع الكذب سوى الكذب على الله؛ لأنّ الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤدِّي إلى هدم قواعد الإِسلام، وإفساد الشريعة والأحكام. وفي الصحيح أيضًا: (من كذب عليّ متعمّدًا، فليتبوَّأ مقعده من النار) .
{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) }
والأهواء: جمع هوًى: وهو رأيٌ عن شهوة داعٍ إلى الضلال، وسُمِّي بذلك؛ لأنّه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل واهيةٍ، وفي الآخرة إلى الهاوية.
وإنّما قال: {أَهْوَاءَهُمْ} بلفظ الجمع، ولم يقل: هواهم؛ تنبيهًا على أنَّ لكل واحد هوًى غير هوى الآخر، ثم هوى كُلِّ واحد منهم لا يتناهى، فلذلك أخبر سبحانه أنّه لا يرضى الكُلُّ إلّا باتباع أهواء الكل.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... (126) }
فإن قُلْتَ: ما الفائدة في قول إبراهيم {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} مع قوله تعالى أوّلًا: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} ؟
قلت: المراد من الأمن المذكور: أوّلًا الأمن من الأعداء، والخسف، والمسخ، ومن المذكور في دعاء إبراهيم: الأمن من القحط، والجوع، وقيل: معنى بلدًا آمنًا؛ أي: كثير الخصب، يؤمن فيه من الجوع، والقحط، فإن الدنيا إذا طلبت ليُتقوَّى على الدين، كان ذلك من أعظم أركان الدين، فإذا كان البلد آمنًا، وحصل فيه الخصب تفرَّغ أهله لطاعة الله، وأيضًا إنَّ الخصب مما يدعو الناس إلى تلك البلدة، فهو سبب اتصاله في الطاعة.
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) }