والقول الأرجح الأسلم: أن يقال في تفسير الاستواء هنا: ثمّ استوى سبحانه وتعالى إلى السماء، وارتفع، وعلا استواء يليق به، نثبته ولا نعطله، نعتقده ولا نكيّفه، ولا نمثّله ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير.
{وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) }
فائدة: والحكمة في إخبار الله تعالى للملائكة، عن خلق آدم واستخلافه في الأرض؛ تعليم لعباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها.
وقول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ...} الآية. ليس اعتراضا على الله، ولا حسدا لبني آدم؛ وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك. يقولون: ما الحكمة في خلق هؤلاء، مع أن منهم من يفسد في الأرض؟ وإنما علمت الملائكة أن بني آدم يفسدون في الأرض، بإعلام الله إياهم ذلك، وقيل: كان في الأرض جنّ فأفسدوا فيها، فبعث الله إليهم ملائكة فقتلوهم، فقاست الملائكة بني آدم عليهم.
{فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) }
أي: في علم الله تعالى، أو صار منهم باستقباحه أمر الله إياه بالسجود لآدم، اعتقادا بأنه أفضل منه.
وإنما قال: {مِنَ الْكافِرِينَ} ولم يكن حينئذ كافر غيره؛ لأنه كان في علم الله أن يكون بعده كفار، فذكر أنه كان من الكافرين؛ أي: من الذين يكفرون بعده، وهذا كما في قوله: {فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ}
وقال أبو العالية: {مِنَ الْكافِرِينَ} ؛ أي: من العاصين، وصلة (أل) هنا ظاهرها الماضي؛ أي: من الذين كفروا، فيكون قد سبق إبليس كفار، وهم الجن الذين كانوا في الأرض، أو يكون إبليس أول من كفر مطلقا، إذ لم يصح أنه كان كفار قبله، وإن صح فيفيد أول من كفر بعد إيمانه، أو يراد الكفر الذي هو التغطية للحق، وكفر إبليس قيل: جهل سلب الله ما كان وهبه من العلم فخالف الأمر، ونزع يده من الطاعة، وقيل: كفر عناد ولم يسلب العلم، بل كان الكبر مانعه من السجود.
واعلم أن الله تعالى، يحفظ العالم بالخليفة، كما يحفظ الخزائن بالختم، فالبدء كان آدم، والختام يكون بعيسى عليه السلام، والحكمة في الاستخلاف: قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه، وتلقّي أمره بغير واسطة؛ لأن المفيض