بتقدير رجوع الضمير في {مِثْلِهِ} إلى ما في قوله: {مِمَّا نَزَّلْنا} ، وهو الأوجه، والمعنى على الأخير: فأتوا بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم، وعلى الأولين: فأتوا بسورة مما هو على صفته في البلاغة وحسن النظم، وحينئذ فكأنّه منه، فحسن الإتيان بـ (مِن) الدالة على ما ذكر، بخلاف ذاك، فإنّه قد وصف السور بالافتراء صريحا في هود، وإشارة في يونس، فلم يحسن الإتيان بمن الدالة على ما ذكر؛ لأنّها حينئذ تشعر بأنّ ما بعدها من جنس ما قبلها، فيلزم أن يكون قرآنا، وهو محال. ويجوز جعل {مِنْ} للابتداء بتقدير رجوع الضمير في {مِثْلِهِ} إلى {عَبْدِنا} ؛ أي: محمد، والمعنى: فأتوا بسورة مبتدأة من شخص مثل محمد، ذكره في «فتح الرحمن» .
{فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) }
قال القاضي: إن قلت: لم عرّف النار هنا، ونكرّها في التحريم؟
قلت: لأنّ الخطاب في هذه السورة مع المنافقين، وهم في أسفل النار المحيطة بهم، فعرفت بلام الاستغراق، أو العهد الذهني، وفي تلك مع المؤمنين، والذين يعذّبون من عصاتهم بالنار يكونون في جزء من أعلاها.
فناسب تنكيرها لتقليلها.
وقيل: لأنّ تلك الآية نزلت في مكة قبل هذه، فلم تكن النار التي وقودها الناس والحجارة معروفة، فنكّرها ثمّ، وهذه نزلت بالمدينة، فعرفت إشارة إلى ما عرفوه أوّلا.
وردّ هذا: بأنّ آية التحريم نزلت بالمدينة بعد هذه الآية التي هنا.
وإنما جعل حطبها منها؛ لسرعة اتقادها؛ أي التهابها، وبطء خمودها، وشدة حرها، وقبح رائحتها، ولصوقها بالبدن. أو الحجارة هي الأصنام التي عبدوها، وإنما جعل التعذيب بها؛ ليتحققوا أنهم عذبوا بعبادتها؛ وليروا ذلها ومهانتها بعد اعتقادهم عزّها وعظمتها، قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} ، والكافر عبد الصنم، واعتمده، ورجاه، فعذّب به، إظهارا لجهله وقطعا لأمله، كأتباع الكبراء خدموهم، ورجوهم، وفي النار يسحبون معهم؛ ليكون أشق عليهم وأقطع لرجائهم.
فإن قلت: أنار الجحيم كلّها توقد بالناس والحجارة، أم هي نيران شتّى منها نار بهذه الصفة؟
قلت: بل هي نار شتّى منها: نار توقد بالناس والحجارة، يدلّ على ذلك
تنكيرها في قوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا} ، وقوله سبحانه {فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى} .