قال الشيخ زين الدين الحافيّ - رحمه الله تعالى -: والعجب ممن دخل في هذه الطريقة المحمدية، وأراد أن يصل إلى الحقيقة اليقينية، وقد حصّل من الاصطلاحات ما يستخرج بها المعاني من كتاب الله، وأحاديث رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ لا يشتغل بذكر الله وبمراقبته، والإعراض عما سواه، لتنصبّ إلى قلبه العلوم اللدنية التي لو عاش ألف سنة في تدريس الاصطلاحات وتصنيفها، لا يشمّ منها رائحة، ولا يشاهد من آثارها وأنوارها لمعة. فالعلم بلا عمل عقيم، والعمل بلا علم سقيم، والعمل بالعلم صراط مستقيم. انتهى.
وقال المراغي:
وقد ختمت هذه الآية بـ {لا يَعْلَمُونَ} ، وسابقتها بـ {لا يَشْعُرُونَ} ؛ لأنّ الإيمان لا يتمّ إلّا بالعلم اليقينيّ، والفائدة المرجوة منه، وهي السعادة في المعاش والمعاد، لا يدركها إلّا من يعلم حقيقته ويدرك كنهه، فهم قد أخطأوا في
إدراك مصلحتهم ومصلحة غيرهم.
أمّا نفاقهم وإفسادهم في الأرض فقد بلغ من الوضوح مبلغ الأمور المحسوسة التي تصل إلى الحواس والمشاعر، ولكن لا حسّ لهم حتى يدركوه. انتهى.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }
فإن قلت: مقتضى هذه الآية: أنّ الهدى كان موجودا ثمّ دفعوه، وأخذوا الضلالة؟
قلت: الأمر كذلك؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه» الحديث؛ ولأنّهم في العهد يوم (ألست بربكم) أجابوا بالإيمان جميعا؛ أو لأنّهم لمّا تمكنوا من الإيمان جعلوا كأنّ الهدى بأيديهم، فتركوه، وأخذوا الضلالة. فمثلهم، كمثل من عنده كنز عظيم ينفع في الدنيا والآخرة، فاستبدله بالنار؛ لأنّ الضلالة سبب النار.
{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) }
قال القاضي زكريا: إن قلت: لم ذكرت {مِنْ} هنا، وحذفت في سورتي: يونس وهود؟
قلت: لأنّ {مِنْ} هنا للتبعيض، أو للتبيين، أو زائدة على قول الأخفش: