(قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ...(259)
أي متى يحيي أو كيف يحيي، وهو استبعاد لإحيائها وهي على تلك الحالة المشابهة لحالة الأموات المباينة لحالة الأحياء، وتقديم المفعول لكون الاستبعاد ناشئاً من جهته لا من جهة الفاعل.
وقيل: قال ذلك استعظاماً لقدرته تعالى، قاله السيوطي.
وعبارة أبي السعود قال: ذلك تلهفاً عليها، وتشوقاً إلى عمارتها مع استشعار اليأس منها.
وعبارة البيضاوي قال: ذلك اعترافاً بالقصور عن معرفة طريق الإحياء.
وسبب توجعه على تلك القرية أنه كان أهلها من جملة من سباهم بخت نصر، فلما خلص من السبي وجاء ورآها على تلك الحالة توجع وتلهف.
ولما قال المار هذه المقالة مستبعداً لإحياء القرية المذكورة بالعمارة لها والسكون فيها ضرب الله له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه فقال (فأماته الله مائة عام)
وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال كان هذا القول شكاً في قدرة الله على الإحياء فلذلك ضرب له المثل في نفسه.
قال ابن عطية: ليس يدخل شك في قدرة الله سبحانه على إحياء قرية بجلب العمارة إليها، وإنما يتصور الشك إذا كان سؤاله عن إحياء موتاها.
وإنما قال (يوماً أو بعض يوم) بناء على ما عنده وفي ظنه فلا يكون كاذباً، ومثل قول أصحاب الكهف (قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم) ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - في قصة ذي اليدين"لم تقصر ولم أنس"وهذا مما يؤيد قول من قال: إن الصدق ما طابق الاعتقاد والكذب ما خالفه.
وقيل إن الله أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس، فقال (لبثت يوماً) وهو يرى أن الشمس قد غابت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال (أو بعض يوم) وقيل إن (أو) بمعنى (بل) التي للإضراب وهو قول ثابت.
وقيل هي للشك والأول أولى.