وفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر للعصاة وأن المطيعين لله يصل إليهم ثوابهم وهم في قبورهم في البرزخ، ولا اعتداد بخلاف من خالف في ذلك، فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة ودلت عليه الآيات القرآنية، ومثل هذه الآية قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) وقد وردت أحاديث في أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تأكل من ثمار الجنة، فمنها عن كعب بن مالك مرفوعاً عند أحمد والترمذي وصححه النسائي وابن ماجه وروي"أن أرواح الشهداء على صور طيور بيض"كما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي العالية.
والآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر، وفيها دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس من البدن تبقى بعد الموت دراكة وعليه جمهور الصحابة والتابعين، وبه نطقت الآيات والسنن، وعلى هذا تخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى ومزيد البهجة والكرامة.
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155)
أي نمتحنكم لنختبركم هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء أم لا، وليظهر الطائع من العاصي، والتنكير للتقليل أي بشيء قليل من هذه الأمور، فإن ما وقاهم عنه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة فكذا ما يصيب به معانديهم، وإنما أخبر به قبل الوقوع ليوطنوا عليه نفوسهم ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به، وليعلموا أنه شيء يسير له عاقبة محمودة.
(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ...(157)