وقد يرد بأنَّ الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومآكلها وغيرهم من المؤمنين منعمون بما دون ذلك. وفي الحديث: «أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش» وعن الحسن: أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح أي: الاستراحة أي: التلذذ والتنعم والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدّواً وعشياً، فيصل إليهم الوجع والغم. وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله ومزيد السرور والكرامة والأرواح جواهر قائمة بأنفسها تبقى بعد الموت دراكة كما عليه جمهور الصحابة والتابعين ونطقت به الآيات والسنن.
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أي: ولنختبرنكم يا أمّة محمد صلى الله عليه وسلم واللام لجواب القسم تقديره والله لنبلونكم والابتلاء إظهار المطيع من العاصي لا ليعلم شيئاً لم يكن عالماً به {بِشَيْءٍ} أي: بقليل {مِّنَ الْخَوفْ} أي: خوف العدوّ {وَالْجُوعِ} أي: القحط وإنما قلله بالنسبة لما وقاهم عنه فيخفف عنهم ويريهم أنَّ رحمته لا تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة، وإنما أخبرهم قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم {وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ} بالخسران والهلاك {وَالأَنفُسِ} بالقتل والموت وقيل: بالمرض والشيب {وَالثَّمَرَاتِ} بالجوائح.
وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، ومن الثمرات موت الأولاد. وعن أبي سنان قال: دفنت ولدي سناناً وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأخرجني، فقال: ألا أبشرك؟
حدّثني الضحاك بن عروب عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟
فيقولون: نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه؟
فيقولون: نعم فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟