وذلك أنهم سئموا من أكل المنّ والسلوى، وإنما عبّر عنهما بطعام واحد لعدم تبدّلهما كقول العرب: طعام مائدة الأمير واحد، يريدون أنه لا يتغير ألوانه أو لأنّ العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} (الرحمن، 22) وإنما يخرج من الملح دون العذب، أو لأنهم كانوا يعجنون المنّ بالسلوى فيصيرا واحداً، أو لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فكانا كطعام واحد أو ضرب واحد لأنهما معاً طعام أهل التلذذ وهم كانوا أهل فلاحة أي: أهل زراعات فاشتاقوا إلى أصلهم الرديء وعادتهم الخبيثة ولذا قالوا: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ} أي: فسل لأجلنا ربك {يُخْرِجْ لَنَا} يظهر لنا ويوجد، وجزمه بأنه جواب فادع فإنّ دعوة موسى تسبب الإجابة وقوله تعالى: {مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ} من الإسناد المجازي وإقامة القابل وهي الأرض لأنها قابلة للنبات مقام الفاعل و (مِن) في قولهم: {مِمَّا تُنْبِتُ} للتبعيض ومن في قولهم: {مِن بَقْلِهَا} للبيان.
{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}
أي: أحيطت إحاطة القبة بمن ضربت عليه أو ألصقت بهم من ضرب الطين على الحائط {الذِّلَّةُ} أي: الذل والهوان، وقيل: الجزية، {وَالْمَسْكَنَةُ} أي: الفقر وسمي الفقير مسكيناً لأنّ الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة وفعل بهم ذلك مجازاة لهم على كفران النعمة ولذلك تجد اليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين إمّا على الحقيقة أو على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم، وقيل: الذلة فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود.
{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}
أي: ظلماً فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم.
روي أن اليهود قتلوا سبعين نبياً في أوّل النهار وقامت سوق بقلهم آخر النهار.