أُجيب: بأنَّ لفظ الكل كما أنه مستعمل في المجموع فقد يستعمل مجازاً في الأكثر فإذا كان ذلك مجازاً مشهوراً في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذباً.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ}
تحريكاً للسامع وتنشيطاً له واهتماماً بأمرالعبادة وتفخيماً لشأنها وجبراً لمشقة العبادة بلذة المخاطبة ويا حرف وضع لنداء البعيد وقد ينادى به القريب تنزيلاً له منزلة البعيد، إمّا لعظمته كقول الداعي: يا رب ويا الله وهو أقرب إليه من حبل الوريد، أو لغفلته وقلة فهمه، أو للاعتناء بالمدعوّ له وزيادة الحث عليه، ولفظ الناس يعم الموجودين وقت النزول لفظاً ومن سيوجد تنزيلاً للمعدوم منزلة الموجود، لما تواتر من دينه عليه الصلاة والسلام أنَّ مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين ثابت إلى قيام الساعة إلا ما خصه الدليل وإن قال الإمام الرازي: الأقرب أنه لا يتناوله لأن {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} صرف خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز وتناوله له لدليل منفصل وهو ما تواتر من دينه عليه الصلاة والسلام أنَّ أحكامه ثابتة في حق من سيوجد إلى قيام الساعة.
«فَإِنْ قِيلَ» : روي عن عقبة والحسن وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن كل شيء نزل فيه {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} فمكي و {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} فمدني، فكيف تكون هذه السورة مكيَّة وقد نزلت بالمدينة؟
أجيب: بأنَّ المراد بقولهم: السورة مكيَّة أو مدنية أنَّ غالبها ذلك، والأولى أن يقال إنّ ذلك أكثري لا كلي، وأن سورة البقرة والنساء والحجرات مدنيات باتفاق وقد قال تعالى في كل منها: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} وسورة الحج مكيَّة سوى ما استثنى وفيها من غيره {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُواْ}