وتعريف المفلحون ففيه دلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو؟ فقيل: زيد التائب أي هو الذي أخبرت بتوبته. وتوسيط الفصل بينه وبين {أولئك} ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا وينشطك لتقديم ما قدموا. اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(6)
ولم يأت بالعاطف هنا كما في قوله: {إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ} لأن الجملة الأولى هنا مسوقة بياناً لذكر الكتاب لا خبراً عن المؤمنين وسيقت الثانية للإخبار عن الكفار بكذا، فبين الجملتين تفاوت في المراد وهما على حد لا مجال للعطف فيه.
والمراد بالذين كفروا أناس بأعيانهم علم الله أنهم لا يؤمنون كأبي جهل وأبي لهب وأضرابهما.
والحكمة في الإنذار مع العلم بالإصرار إقامة الحجة وليكون الإرسال عاماً وليثاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)
{وعلى سَمْعِهِمْ} وحد السمع كما وحد البطن في قوله:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا
لأمن اللبس ولأن السمع مصدر في أصله يقال: سمعت الشيء سمعاً وسماعاً، والمصدر لا يجمع لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير فلا يحتاج فيه إلى التثنية والجمع فلمح الأصل.
وقيل: المضاف محذوف أي وعلى مواضع سمعهم وقرئ: {وعلى أسماعهم} .
وتكرير الجار في قوله {وعلى سمعهم} دليل على شدة الختم في الموضعين.