فإن قيل: فكيف يدع أذاهم وهو مأمور بقتالهم لا سيّما الكفّار؟ وهل هذا منسوخ بآية السيف؟
فالجواب: أنّ هذا إعراض خاصّ لا عموم له، وذلك بأن يترفّع عن مؤاخذتهم على ما يصدر منهم في شأنه من مثل السباب والشتائم ونحو ذلك ممّا لا ضرر فيه على الدولة الإسلاميّة. فليست آيات القتال بناسخة له [1] .
قال تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] .
فحصر العداوة فيهم، مع وجود غيرهم من الأعداء الخارجيين، وليس المراد الحصر التام الذي لا يدخل فيه غيرهم، وإنّما المراد إثبات الأولويّة والأحقيّة لهم في هذا الوصف. والسرّ في ذلك - والله تعالى أعلم - أنّ العدوّ الخارجي لا قدرة له - في الغالب - على النفوذ إلى المجتمع المسلم إلا عن طريق هؤلاء المنافقين، فرتّب على ذلك الحذر منهم ومن كيدهم، وعلاقاتهم المشبوهة مع الأعداء، وهذا يقتضي إبعادهم عن مواطن النفوذ في المجتمع الإسلامي، وعزلهم عن الوظائف الحسّاسة في الدولة الإسلامية ..
قال الإمام ابن القيّم - رحمه الله - في قوله تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} : «ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر أي لا عدو إلا هم، ولكن لم يرد ها هنا حصر العداوة فيهم، وأنّهم لا عدوّ للمسلمين سواهم؛ بل هذا من إثبات
(1) ينظر: التحرير والتنوير: 21/ 285.