المشركين، وما هذه المكافّة [1] إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف» [2] .
ويلاحظ التدرّج في هذه الأساليب الثلاثة؛ فالأوّل مجرّد إعراض بلا قيل. والثاني مجرّد وعظ وتذكير. والثالث: تهديد ووعد بالتنكيل، والله تعالى أعلم.
ويرى بعض أهل التفسير أنّ الموعظة تكون على الملأ، والقول البليغ يكون في حال السرّ، أي:"انصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم" [3] . وهو محتمل، والله تعالى أعلم.
قال تعالى: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ} [الأحزاب: 48] .
فأمّا عدم طاعتهم فواضح، فإنّهم لا يأمرون - في الغالب - إلا بما فيه ضرر على الإسلام والمسلمين.
وأمّا ترك أذاهم، فيحتمل معنيين كما ذكر المفسّرون، أحدهما: الصبر على أذاهم وتحمّل ما يصدر منهم من أذى. والثاني: ترك مجازاتهم على الأذى الصادر منهم، وأن يكل أمرهم إلى الله فهو كافيه سبحانه. وهذا الثاني هو الأظهر، وهو الذي يدلّ عليه السباق والسياق، فإنّ هذا الأمر جاء بعد
(1) المكافّة: المحاجزة، والكفّ عن القتال. (ينظر: تاج العروس: 1/ 6103، والمغرب في ترتيب المعرب: 2/ 226) .
(2) الكشّاف: 1/ 276، 277.
(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير:1/ 519، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 5/ 265.