الصفحة 38 من 60

الإشارة بأنّه مبعوث بالبشارة قبل النذارة: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45] ، {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 47] ، وهذا يقتضي الصفح والتجاوز. ثمّ ختم الآية بقوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 48] ، وهو مناسب لترك أذى هؤلاء، فإنّه وإن ترك أذاهم على سبيل المقابلة؛ فلن يضرّوه شيئًا إذا كان الله وكيله وكافيه.

وهذا لا ينافي ما سبق من الأمر بالإغلاظ عليهم، فإنّ ذلك حسب ما يقتضيه الحال أحيانًا، لكن يبقى ترك أذاهم هو الأصل والغالب في التعامل معهم.

والفرق بينه وبين الإعراض عنهم؛ أنّ الإعراض عنهم يكون بالقلب كما سبق ترجيحه [1] ، فهو عمل قلبيّ. أمّا ترك الأذى فهو عمل ظاهر لا يتعلّق بالقلب، بأن لا يعاقبهم؛ إمّا ابتداءً، وإمّا على وجه المقابلة. قال القرطبيّ - رحمه الله: «أي دع أن تؤذيهم مجازاة على إذايتهم إياك فأمره تبارك وتعالى بترك معاقبتهم ... » [2] . وهكذا قال غيره [3] .

وفسّر مجاهد - رحمه الله - [4] تركَ الأذى بالإعراض. وهو على سبيل تقريب المعنى، وإلا فإنّ الإعراض أعمّ من ترك الأذى كما هو ظاهر- والله تعالى أعلم -.

(1) ينظر: ص: 35.

(2) الجامع لأحكام القرآن: 14/ 179.

(3) ينظر: معالم التنزيل للبغوي:1/ 361، والوجيز للواحدي:1/ 869، وزاد المسير لابن الجوزي:6/ 400.

(4) ينظر: جامع البيان: 10/ 307، ومعاني القرآن للنحّاس: 5/ 359.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت