الصفحة 40 من 60

الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنّه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم أنّهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحقّ بالعداوة ممّن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة، وجاهرهم بها، فإنّ ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم وهم في الباطن على خلاف دينهم؛ أشدّ عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأنّ الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلّون العدوّ على عوراتهم، ويتربّصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحقّ بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل (هم العدو فاحذرهم) لا على معنى أنّه لا عدوّ لكم سواهم، بل على معنى أنّهم أحقّ بأن يكونوا لكم عدوًّا من الكفار المجاهرين» [1] .

وقال الشنقيطي - رحمه الله - موضّحًا حقيقة هذا الحصر في الآية: «فيه ما يشعر بحصر العداوة في المنافقين مع وجودها في المشركين واليهود، ولكنّ إظهار المشركين شركهم، وإعلان اليهود كفرهم، مدعاة للحذر طبعًا، أمّا هؤلاء فادعاؤهم الإيمان وحلفهم عليه قد يوحي بالركون إليهم ولو رغبة في تأليفهم، فكانوا أولى بالتحذير منهم لشدة عداوتهم، ولقوّة مداخلتهم مع المسلمين ممّا يمكّنهم من الاطّلاع على جميع شؤونهم» [2] .

وقد امتثل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر، فكان شديد الحذر من هذه الشرذمة

(1) طريق الهجرتين وباب السعادتين: ص 374.

(2) أضواء البيان: 8/ 198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت