وكل ذلك يشي بخطر التميّع في الصفّ المسلم حينذاك - وفي كل موقف مماثل- التميّع في النظرة إلى النفاق والمنافقين؛ لأنّ فيها تميّعًا كذلك في الشعور بحقيقة هذا الدين. ذلك أنّ قول جماعة من المؤمنين: «سبحان الله! - أو كما قالوا- أتقتلون قومًا قد تكلّموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنّهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحلّ دماءهم وأموالهم!» . . وتصوّرهم للأمر على هذا النحو، من أنّه كلام مثل ما يتكلّم المسلمون! مع أنّ شواهد الحال كلّها، وقول هؤلاء المنافقين: «إن لقينا أصحاب محمّد فليس علينا منهم بأس» . وشهادة الفئة الأخرى من المؤمنين، وقولهم: «يظاهرون عدوّكم» ؛ تصوّرهم للأمر على هذا النحو فيه تمييع كبير لحقيقة الإيمان، في ظروف تستدعي الوضوح الكامل، والحسم القاطع. فإنّ كلمة تقال باللسان، مع عمل واقعي في مساعدة عدوّ المسلمين الظاهرين؛ لا تكون إلا نفاقًا. ولا موضع هنا للتسامح أو للإغضاء. لأنّه تمييع للتصور ذاته. . وهذا هو الخطر الذي يواجهه النص القرآني بالعجب والاستنكار والتشديد البيّن" [1] ."
وقد استثنى الله ـ عزّ وجلّ ـ من هؤلاء المنافقين طائفتين:
-الطائفة الأولى: الذين لجئوا وتحيزوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين مهادنة، أو عقد ذمة؛ فيُجعل حكمهم كحكمهم. وهي التي عناها الله بقوله: ژ ں ? ? ? ... ? ? ? ہ ژ [النساء: 90] .
(1) في ظلال القرآن: 2/ 208.