وإنّما جمع الله بين جهادهم والإغلاظ عليهم؛ توجيهًا لمن يرى ضرورة الرفق بهم وملاطفتهم، وإن كان ذلك يختلف باختلاف درجات النفاق، وأحوال المنافقين كما سيأتي، لكن يبقى الإغلاظ عليهم هو الأصل في التعامل معهم، والله تعالى أعلم.
وقد امتثل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر ربّه في جهاد المنافقين والإغلاظ عليهم، فقد ذكر ابن إسحاق - رحمه الله - في سيرته أسماء بعض المنافقين من الأنصار واليهود، ثمّ قال: «فكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد، ويسمعون أحاديث المسلمين، ويسخرون ويستهزئون بدينهم، فاجتمع في المسجد يومًا منهم أناس، فرآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحدّثون بينهم خافضي أصواتهم، قد لصق بعضهم إلى بعض، فأمر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرجوا من المسجد إخراجًا عنيفًا، فقام أبو أيوب إلى عمرو بن قيس أحد بني النجار - وكان صاحب آلهتهم في الجاهلية - فأخذ برجله فسحبه حتى أخرجه وهو يقول - لعنه الله: أتخرجني يا أبا أيوب من مربد [1] بني ثعلبة؟ ثمّ أقبل أبو أيوب إلى رافع بن وديعة النجاري، فلبّبه بردائه ثمّ نتره نترًا شديدًا [2] ، ولطم وجهه فأخرجه من المسجد وهو يقول: أفٍ لك منافقًا خبيثًا. وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو - وكان طويل اللحية- فأخذ بلحيته وقاده بها قودًا عنيفًا حتى أخرجه
(1) المربد: المكان الذي تحبس فيه الإبل والغنم. (ينظر: لسان العرب: 3/ 170 مادة: ربد) .
(2) لَبَّبَ الرجلَ: جعل ثيابه في عُنقِه وصدره في الخصومة ثم قَبَضَه وجَرَّه. (لسان العرب: 1/ 733، مادة: لبب) . والنتر: الجذب بجفاء. (المصدر السابق: 5/ 190 مادة: نتر) .