فأمّا جهادهم فيكون باللسان والبيان [1] ، وذلك بنحو الردّ عليهم وإفحامهم وإلزامهم بالحجة، لأنّ المنافق إنّما يتمسّح بالإسلام، ويصبغ حديثه بصبغة الدين تحقيقًا لنفاقه، وتلبيسًا على العامّة، فمجاهدته إنّما تكون بفضحه، ومقارعته بالحجّة الواضحة، حتى ينكشف عواره، ولفظ الجهاد أعمّ من القتال، فلا يلزم من كلّ جهاد أن يكون قتالًا. وهذا النوع من الجهاد هو جهاد الخاصّة كما سمّاه الإمام ابن القيّم، قال - رحمه الله تعالى-: «فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل. والقائمون به أفراد في العالم. والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هم الأقلين عددًا؛ فهم الأعظمون عند الله قدرًا» [2] .
وإمّا الإغلاظ عليهم فيكون بالكلام الغليظ كشدّة الانتهار ونحوه كما قال غير واحد من السلف [3] . وقال ابن مسعود - رضي الله عنه: «بيده، فإن لم يستطع فليكفهّر في وجهه» ! [4] .
والسرّ في الإغلاظ على المنافقين -والله تعالى أعلم-؛ أنّهم قوم في غاية اللؤم والجبن والخسّة، واللئيم إن أحسنت إليه ولاطفته ازداد لؤمًا وشرًّا، وإن أغلظت عليه وزجرته، كُفيت شرّه، ولم يجرؤ على إظهار شيء مما يبطنه من الشرّ والفساد والتشكيك في الدين والمؤمنين.
(1) ينظر: زاد المسير: 3/ 469.
(2) زاد المعاد في هدي خير العباد: 3/ 5.
(3) ينظر: زاد المسير: 3/ 470.
(4) ينظر: تفسير القرآن العظيم: 2/ 371.