فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 1503

فهاكم أخواني، وعلى التقوى أخداني، مدينة علم على الباب، منيع الجناب، رفيع الأسوار، سحيق الأقطار وجنة أشجارها مورقة، وأنهارها مونقة، وأكلها دائم في الليل والنهار، وظلها قائم في الهجير والأسحار، ونعيمها مقيم، ومزاجها من تسنيم. ودونك خزانة من فض ختامها، أطلع على نبأ يقين، وحق مبين، وسر مخزون، ودر مكنون، وليس وراءها مزيد لرائد، ولا دونها مرام لجاحد. ومنحتك منيحة: ان رَوَّ يتَ فيها ترو يك درها. وآثرتك أحاديث تقول حين تسمعها: لله

درها. وقدمت اليك سفينة تعبر بها بحارًا بعيدة الأغوار، وتتخلص في قاموسها وتيارها من البوار. وَرحَّلتك مطية تصل بها إلى رياض، وتشرب هنيئأ لك مما فيها من الحياض، وتجتنى أطايب أثمارها، وتقف على عجائب أسمارها.

واياك ثم اياك، أن تظن - وبعض الظن اثم - أنك حصلت من هذا العلم قدرًا لا مزيد عليه، حتى تنتصب لأن يرجع الكل اليك، فتقعد متكئًا على أريكة العُجْب، وتستلقي على كتفي الفراغ، وتمد على بساط الكسل رجليك، وتعد نفسك من جهابذة الفضلاء، وتحسب نفسك من دهماء العلماء، وتظن أنك أحرزت الفضائل بشطربها، وملكت الكمالات بقطربها، وفزت من مارية بقرطيها، وتقول: ها أنا برزت على لداتي، وتفرغت عن تكميل ذاتي، فيهب في دماغك أعاصير حب الرياسة، وتهتاج لتربية أشياعك إلى تقلد السياسة. فهيهات هيهات ما خطر ببالك، وهجس في خيالك. ان هذا طيش يوجب الحرمان، بل همهمة الحسبان ووسوسة الشيطان. يتراءى منها مخايل الزور، ويتدسس فيها حبائل الغرور.

أين أنت من قول سيد الأنبياء، وسند الأصفياء:

(لا بورك لي في صبيحة لا أزداد فيها علمًا) ، مع أن ربه أدبه فأحسن تأديبه.

وقوله صلوات الله عليه وسلامه:

(من استوى يوماه فهو مغبون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت