صفحة رقم: 103
هذى بديهة خاطر قد كدّه
غير الزمان بمولمات عذابه
نحّاه عن أحبابه ودياره
قدما غراب البين يا لغرابه
ما نال من باب جدى ولطالما
قد كان عفّر وجهه بترابه
و اللّه أودع رزقه في كفّه
فلما يضيق العيش من أسبابه
فلزمت بيتى واتخذت قناعتى
سورا وراء المال من أربابه
لو لا مواهبك السنية هدّنى
نوب الزمان بمخلبيه ونابه
لا زال سيفك فوق أعناق العدى
متذلّلين رقابهم كقرابه
دم في العلى ما لاح في بحر الدجى
زهر الكواكب طافيا كحبابه
و تحلّ عزا دائما لا تنقضى
أيّام دولته مدى أحقابه
و قد قال هذه القصيدة في ليلة واحدة، وطلبه «عزيز الدين» عند صلاة العصر ثم استدعاه إلى حضرته في الصباح، ولقى منه تشريفا خاصا وألبسه خلعة فاخرة من ألبسة الوزراء. وآخذه أحد الحاضرين على قوله: مرحبا بذهابه، لأن مرحبا تقال اللآتى. فقال «ظهير الدين الكرجى» 1 - واحد عصره وفريد دهره - «إن مرحبا تقال للشئ الذى يستحبّ، فإذا انقضى شتاء همدان وجب أن يقال مرحبا مائة مرة ... وأن زين الدين ليمدح على ذلك ... !!.» رحم اللّه أمثال هؤلاء السادة فإنّ نكتة واحدة من مقولاتهم لتفضل قصيدة برمتها.
مثل: «ذهب الناس وبقى النسناس» .
و قد أراد مؤلف هذا الكتاب العبد الفقير محمد بن على بن سليمان الراوندى أناله اللّه مناه في دنياه وعقباه، أن يتلو تلو زين الدين فأدرك جزءا [ص 55]
(1 ) ) خواجة ظهير الدين الكرجى هو أحد فضلاء أواخر القرن السادس. اشتهر في فن الانشاء والبيان (انظر مرزبان نامه لسعد الدين الوراوينى ص 5) .