فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 199

[*] صفحة 190

و لما كانت صناعة الطب أجل المهن قدرا في نفع الانسان، واهلها السالكون طرقها بالحقيقة هم عند الناس من مرتبة شريفة عالية يكرموهم ويجلونهم وكانت ايضا هذه الصناعة مخصوصة باقوام خواص، فكانت بذلك مصانة لا يمكن كل من التمسها الدخول فيها، فلما وسع لكل من طلبها الدخول فيها وكان الناس بطبعهم يحبون نيل المراتب النسبية والتشريف والتبجيل، ولم يكن ذلك ليوجد لمهنة من المهن فوق صناعة الطب طلبها غير أهلها حسدا لهم، ولما لم ينالوا حقيقتها لينالوا 166ببه العلو والمنزلة الرفيعة لسوء امزجتهم وغلظ قرايحهم عدلوا الى الحيلة على الناس بضروب من الخدع والدهثمة ستروها بما أظهروه من الزي واللباس والتصنيع لمشابهة اهل الصناعة بالحقيقة في الفاظهم، وكثيرا من امورهم. وكانوا بذلك وبما جمّلوا به دكاكينهم واظهروه من آلاتهم ليصيدوا الناس كمن نصب الفخاخ وبسط الشباك لصيد الحيوانات. ولان هذه الآفة الداخلة على هذه الصناعة وعلى اهلها حتى اوقعت في بعضهم الشك واكسبتهم سوء الظن بهم من كثير من الناس لما يرونهم عليه من صونها وتوفيتها حقوقها، نعم حتى ان جهال الناس واشرارهم يعتقد فيهم البغضة ويضمرون لهم الشر.

فلذلك وصف جالينوس من خدع هؤلاء وخذلهم التي يعملونها ليتفقون بها على الناس فاذكر هاهنا بعضه ليعلم به جملة ما قصدت لذكره فتأمل. فأما جالينوس في كتابه في نوادر تقدمة المعرفة 167هذا القول اما بحسب ما يراه كثير من الاطباء (يا افنجانس) فانه غير ممكن ان يتقدم واحد فينذر بما هو حادث بالمرضى في كل واحد من امراضهم، وذلك انه متذكر من غايته ان يظن به ما يقدره من غير أن يعنى بمعرفة ذلك حق معرفته لا في الطب فقط لكن في سائر الصناعات استهمين باحسن ما في الصناعات واحرفت العناية الى الاشياء التي تشتهر ويكبر بها الانسان عند الكبر (فأقصد) 168معرفة الاقاويل والافعال التي تنحو نحو اللذة والتملق والمساعدة بالقحة والتسليم في كل يوم على ذوي اليسار والمتسلطين في المدن وتشييع من يريد الشخوص الى ناحية من النواحي واستقبالهم اذا قدموا من البلدان والحيلة لطلب الضحك في المجالس، ومنهم قوم لم يقتنعوا بهذه الاشياء فقط لكنهم راموا ايضا ان يقنعوا العوام انهم يستحقون بسراة لباسهم وكثرة ثمنه وحسن خواتيمهم وسراتها، وكثرة من معهم من التباع وبما يوجد لهم

166ب) وردت في الاصل (لينالون) والصحيح ما اثبتناه.

167)كتاب نوادر تقدمه المعرفة - مقالة واحدة (ابن ابي اصيبعة ص 143) .

168)وردت في الاصل (قاصد) والصحيح ما اثبتناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت