فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 199

[*] صفحة 144

و لما كان ذكرنا لشرف صناعة الطب وتقدمها في المرتبة على ساير الصنايع والمهن يبعث اهل العقول والآداب على اقتنائها او ما تهيأ منها ويرغبهم في اتباع أوامرها والبعد عن نواهيها ويحثهم على تشريف أهلها وجب لذلك ان اذكر وجوها من شرفها وعيونا من فضايلها فأقول ان سائر المهن والصنائع لا يتم ذكرها ولا توصل الى غاياتها الا بعد تصور النفس العلم بها. ولما كان العلم للنفس الناطقة والعمل للبدن وكانت النفس انما يتم لها العلم بالبدن اذا كان صحيحا والصحة لما تحفظ وتدوم او تجلب وتقوم بصناعة الطب وجب لذلك ان تكون صناعة الطب هي أشرف الصنايع والعلم بها هو أقدم العلوم وايضا فان الآلات التي بها تستخرج المهن والصنائع آلتان احداهما القياس والآخر التجربة وغير ممكن من كل واحدة منها ولا من اجتماعهما ان يقدروا على استخراج أصول صناعة الطب اذا كان الحس لا يصل الى ذلك وذلك لما نذكره وهو انا ندل أول شخص من المخلوقين حين خلق محتاجا الى الغذاء ولم يعرف الغذاء من الدواء وكانا كلاهما من نوع النبات فانه ان تناول احدهما على انه غذاء فقد خاطر بنفسه وغرر بخبرته لانه ان عمد الى حشيشة السقمونيا مثلا او غيرها من الحشائش القاتلة فأكلها هلك واذا كان الحس لا يفي بعلم ذلك والعقل فلا سبيل له الى علم الأمور المحسوسة ولا الى تمييزها الا من جهة الحس فغير ممكن اذن ان يعلم اصول صناعة الطب بطريق الاستدلال والقياس.

فأما فروع هذه الأصول فبغير شك ان استخراج ما استخرج منها هاتان الآليان استخرجته ولا يوجد طريق آخر لاستخراجه اللّهم الا ان يقول قائل ان الحكم والتكهن قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت