إعتاد أكثر المؤلفين العرب على ان يصدروا كتبهم بمقدمة يذكرون فيها العوامل والأسباب التي دفعتهم الى وضع مصنفاتهم، ولمن رفعوها، او قدموها لمن بين مخدوميهم من الأمراء، والرؤساء، والخلفاء. أما إسحاق بن علي الرهاوي فيفيدنا في مقدمة كتابه « أدب الطبيب » أنه وضع الكتاب لنفسه احتسابا ولتعميم ما فيه من الفوائد في الطب، وممارسته، فيقول في مقدمة الكتاب 1 « تكلفت جمع ما قدرت عليه من الأداب التي ينبغي للطبيب أن يؤدب بها نفسه، والاخلاق المحمودة التي ينبغي أن يقوم بها طبعه » محتسبا للثواب في ذلك واثقا بمعونة اللّه وتأييده. وقال أيضا 2: كان أول قصدنا من تأديب الطبيب، إنما قصدنا لصلاح نفسه، وتقويم أخلاقه أولا، وقد قدمنا ذلك على مصالح جسمه لتقدم النفس بالشرف على البدن ». ومن فلسفة إسحاق بن علي الرهاوي أن رعاية الطبيب لجسمه وحفظ صحته هي من الظواهر التي تدفع مرضاه الى العمل بوصاياه فقال 3: « أنه من الصواب بعد ما قدمته من هذه الجمل أن أذكر جملا من الوصايا التي تحت الطبيب على ما يصلح بقية أعضاء البدن الكبار، ويستدل بها على إصلاح باقي الأعضاء.
ثم اتبع ذلك بوصف سيرة الطبيب وكيف ينبغي أن يكون وكيف يرتب تدابيره لجسمه يوما يوما سائر أيام حياته ». كما ذكر الرهاوي أن الأطباء في زمانه قد جهلوا أصول المهنة وطرق ممارستها، وكثر بينهم منتحلوها، فقصروا في بلوغ الهدف منها، فرأى أن يضع هذا الكتاب تنبيها وتوجيها لهم وردهم الى ما يجب ان يعملوه لإصلاح حالهم، وتصحيح معلوماتهم بالعلوم الطبية وممارستها.
و استهدف الرهاوي من وضع هذا الكتاب، إضافة الى تعليم آداب المهنة، إبراز شرفها، وعظيم ما يستفاد منها في حالتي الصحة والمرض، وما ينبغي على الطبيب من الثقة بعون اللّه تعالى، خالق الانسان والأكوان، وانه هو الباري، والمعين، والشافي. وهذا تثقيف روحي للطبيب يبعد من يتحلى به عن الدنايا والخداع، وابتزاز أموال البسطاء من الناس والمرضى، ويتحاشى ما يفسد صناعته سواء كان ذلك من جانبه، أو من جانب مريضه، وما يوصل بينهما من الممرضين والصيادلة والخدم. كما ان في هذا الكتاب توجيهات ونصائح للأطباء، والصيادلة، والمرضى، واهلهم، ومن يقوم على خدمتهم، وزائريهم إضافة الى معرفة مركبات جسم الانسان، وما فيه من أجهزة وأعضاء كأدوات الحس الخمس، والأعضاء الرئيسة كالدماغ والقلب، والكبد، والأعضاء التي تخدمها كالمعدة والكليتين، والطحال، والمثانة، والرئة. ولمعرفة هذه الأعضاء لا بد من الألمام بتشريحها، وبوظائفها الغريزية. وقد خصص الرهاوي لهذا الموضوع الباب الثاني وهو أطول أبواب الكتاب جميعا وعدّه القاعدة التي يعتمد عليها ما في الكتاب من معلومات في الوقاية من الأمراض (تدبير الأصحاء) وتشخيص الأمراض وعلاجها (تدبير المرضى) . كما أدخل الرهاوي في هذا الباب جدولا لأعمال الطبيب اليومية والتي كان هو نفسه يمارسها بحرص ودقة واهتمام. وتتضمن وصاياه نظافة الثوب، والجسد، وابتداء اليوم بالصلاة الى اللّه تعالى ثم البدء بعيادة المرضى، وضبط سجل لكل واحد منهم يرجع اليه عند تكرار الزيارة، او الأصابة بمرض جديد. كاتطرق في هذا الباب، بعناية خاصة، الى ما كان يعرفه الأطباء العرب بالاسباب الستة وهي: المأكل والمشرب، والحركة والسكون بما فيها النوم واليقظة، والإحتقان والاستفراغ، وتأثيرات المحيط الخارجي والانفعالات النفسية، ومحلات السكن، والمدن، وهي عوامل تناول بحثها بتفصيل الأطباء العرب كابن الطبري، وأبي بكر الرازي، وابن رضوان وغير هؤلاء كثيرون ممن عدّوا صحة الفرد ومرضه خاضعة لهذه العوامل بالزيادة أو النقصان. كما تطرق الرهاوي الى عوامل أخرى لها علاقة بحفظ الصحة، أو تسبب المرض كالعادات والأهوية، والأمواه، والمهن، والصنائع. ويبدو مما ورد في كتاب « أدب الطبيب » ، وفي كتاب « عيون الانباء » لابن أبي أصيبعة أن الأطباء قد كثر عددهم في بغداد 7و غيرها من المدن، واندس فيما بينهم من ليس له علم بصناعة الطب، بل اعتمد على مهارته في الخداع باسم الطب، فخصص الرهاوي لمعالجة هذه الحالة الخطيرة بابين أحدهما في « إمتحان الطبيب » 8و الآخر « في التحذير من خدع المحتالين، ومنتحلي صناعة الطب » . واذا حسبنا الرهاوي قد أدخل موضوع امتحان الطبيب (محنة الطبيب) في كتاب « أدب الطبيب » لينبه الحكام الى حجب من لا يجيد ممارسة هذه الصناعة، فانه بالتأكيد لم يكن الأول الى هذه المبادرة في الطب الاجتماعي، فقد سبقه كل من يوحنا بن ماسويه 9و حنين بن إسحاق فكان لهما كتابان كاملان بهذا الموضوع بينما للرهاوي قسم في كتابه « أدب الطبيب » . ويبدو أن الرهاوي قد اعتمد في وضع كتابه « أدب الطبيب » على تجربته الخاصة في ممارسة مهنة الطب واختلاطه بطبقات الناس، من فقراء وأغنياء وأمراء وخلفاء، كما أعتمد في وضع كتابه على مؤلفات الأطباء والفلاسفة اليونانيين امثال: فيثاغورس، وسقراط، وافلاطون، وارسطو طاليس، وابقراط، وهؤلاء هم كبار علماء اليونان فيما بين القرنين السادس والثالث قبل الميلاد. كذلك أخذ في كتابه « أدب الطبيب » ، بتقدير وإعجاب، عن جالينوس الذي خلفهم بأكثر من خمسة قرون. وفي الكتاب معلومات عن أطباء الأسكندرية بين القرنين الرابع والسادس للميلاد ايضا مما لا نجدها إلا في كتاب « تأريخ الأطباء » لاسحاق بن حنين الذي أخذها بدوره عن كتاب بالعنوان نفسه لحكيم مدرسة الأسكندرية في عهدها المتأخر يحيى النحوي +غير ان إسحاق الرهاوي لا يشير الى هذين المصدرين بأي قدر، ولا نفي لهذا السبب أن يكون الرهاوي قد أخذ أيضا عن غير هؤلاء من الاطباء الذين عاصروه أمثال: يوحنا بن ماسويه، وحنين بن إسحاق، ولكل من هؤلاء الأطباء مشاركات في أدب الطبيب وفي امتحانه، فأغفل ذكر اسمائهم مثلما أغفل ذكر اسمي إسحاق بن حنين ويحيى النحوي.