[*] صفحة 189
الطبيعية في كثير من امورهم واستعملوا التشبيه والمماثلة والحدس وجميع ذلك قصد العلم الخفي بالظاهر. واما اصحاب المهن فامرهم في استعمال الحيل لاستخراج محاسنها ظاهر حتى ان اكثر الناس يعجبون مما يعمله اصحاب الحركات والخيالات، وما يظهره اصحاب السحر من العجايب التي تدهش كثيرا 165من الناس لاستتار أسبابها وعللها عنهم حتى ان قوما منهم يظنون ان الجن تفعل ذلك، وآخرون يرون ان قوى إلاهية تخدمهم في ذلك، فهذه الاشياء وامثالها لم تتم للناس الا بلطيف حيلة للعقل. الا ترى ان صناعة الطب لم تستخرج محاسنها بما فيها من العلاج والاعمال الا بطريق الحيلة كقدحهم العين حتى تبصر من قد عمى، وكبزلهم الماء من المستسقي، ومن اصحاب القيل 166المائية، وكاستخراجهم الأخلاط الردية المفسدة بأدوية معلومة وبتقدير معلوم. ولكي يصيبون الغرض ويستخرجون ذلك الخلط بعينه، ولان لذلك طرق وقوانين قد تفضل اللّه بها على نوع الانسان وضع العلماء بهذه الطرق فيها كتبا ليعلمها من اراد التعرض لذلك لئلا يسلك غيرها فيهلك الناس كالذي فعله قدماء الأطباء من ذلك ما وصفه الفاضل جالينوس من كتبه (التي) رتبتها ترتيبا طبيعيا. وعلى مذهب التعليم فبدأ من أول ما ينبغي ان يعلمه الطبيب وسار على نظام حتى بلغ الى نهاية ما فيه صناعة الطب وهو أعوض ما فيها والطفه واحسنه، فوضع طرق ذلك وما استخرجه القدماء من الاطباء بتلك الطرق اللطيفة، فوضع جميع ذلك في اربعة عشر مقالة وسمى ذلك الكتاب حيلة البرؤ فاذن بهذه الحيلة انتفع الناس وهي نتائج العقول وثمرات الفضايل التي يستحق بها المدح والتشريف.
و اما من سلك طرق الحيل في الوصول الى كسب الدراهم على غير الواجب وبلوغه لذاته فقط فما مثله الا كذيب قد ستر نفسه ليفترس ما امكنه افتراسه. وليس الضرر الداخل على الناس من اصحاب هذه الحيل كالضرر الداخل عليهم من الحيوانات المؤذية بل اعظم كثيرا، لان الحيوانات لا تقدر على التقلب من فعل الى فعل لكن لكل واحد واجد منها فعلا طبيعيا خصه به تكون أذيته، فاما الانسان الشرير المؤذي (الحيول) فانه يؤذي بطرق مختلفة ويتقلب في الافعال المؤذية بحسب اتساع حيلته فلذلك هذه الطائفة على نوع الانسان أشر من السبع والذيب والنمر والافعى والعقرب وغيره من المؤذيات.
165)وردت في الاصل (كثير) والصحيح ما اثبتناه.
166)القيلة - هي الأدرة اي الخصبة المنتفخة بالماء.