[*] صفحة 185
و الشريعة، مستمد الرأي والتدابير من أهلها وبذلك يظهر شرفه ويزين ملكه فيكون اهل العلم والدين في ملكه مشرفين أعزاء واهل الشر والجهل مرذولين اذلاء. واذا كان الأمر على ما قلناه فمن البين ان التواني في كثير من الصغائر واهمال أمرها ربما ادخل الفساد على الامور العظام فان الحقير من شرار الناس أهلك الخطير من المنازل والمدن، فلذلك يجب على القيم برعاية عامة، والمدبر ملك او مدينة الا يهمل من مصالحهم حقيرها فكيف شريفها وعظيمها. ومن المعلوم ان لا شيء من المكونات اشرف من نفس الانسان ومن جسمه، واذا كانت المنافع لهما بطلت ولا شيء انفع من حفظها واصلاحها فالملك اولى الناس بأختيار من عنده هذه المنافع والمصالح الشاملة والعامة ليس في نفسه وجسمه ثم لسائر الناس. وبغير ان الحافظ لصحة الاصحاء والمعالج للمرضى حتى تعود اليهم صحتهم هم الذين وهب اللّه تبارك وتعالى لهم من حكمته علما يقدرون به على ذلك مع ارادته وهؤلاء هم الأطباء ولما كان (قوم) قد تغطرسوا على هذه الصناعة فادعوها بغير معرفة بها وجب لذلك على الملك خاصة ازالتهم مما غصبوه اولا ثم ثانيا لاجل ما يدخل على الخاص والعام منهم من الضرر اذا تميز لهم فعل عدوهم فلا يمكن المرأة والسوقي والغريب تمييزهم من غيرهم فيتجنبهم، فلذلك يكون الضرر بل القتل بينهم شائع، وهو بالحقيقة خفي فالملك الى دفع هذه البليّة عن جنده ورعيته عن نفسه ايضا واجب اذ كان في احايين قد يصير الملك الى من لا خبرة عنده بامور الطب فربما اضطره الأمر الى احضار طبيب 155و لا يعلم بأنه غير موثوق به فيخطئ عليه ويهلك، فيكون اغفاله اعتقاد ذلك في حال صحته سبب هلاكه. وكذلك يتسبب دائما على خواصه وعوامه. فقد أتضح بما قلناه ان النظر من أمر الطب خاصة والزام الأطباء بعد محنتهم واختبار امورهم واجب على الملوك اولا ثم على الرؤساء ومن اليهم النظر في مصالح الناس والعلماء واهل العقول. ولما كان من ذكرناهم بعد الملك هم اكثر مشاهدة للأطباء وغيرهم من الملك، ويسمعون من اخبارهم ما لا يسمعه الملك وكان في انهاء ذلك وشرحه للملك مصلحة للملك اولا ولهم ولسائر الناس، وجب عليهم تعريف الملك وحثه على القيام بصلاحه، وبخطر ما ذكرنا وشدة الاهتمام به. كان قدماء اليونانيين يسلكون مع الاطباء طرق الاحتياط وشدة التفقد، فلذلك كان اطباؤهم 156على شدة حذر وتوق 157
155)وردت في الاصل (طبيبا) والصحيح ما اثبتناه.
156)وردت في الاصل (اطباءهم) والصحيح ما اثبتناه.
157)وردت في الاصل (توقى) والصحيح ما اثبتناه.