[*] صفحة 177
يوثق به في علاج المرضى ولذلك قال بقراط ان الطبيب اذا تقدم فعلم وسبق فأخبر المرضى بالشيء الحاضر مما بهم، وما مضى وغيره عن المريض كلما تصير عن صفته وثق منه بخبره وبصيرته في امر المرض ودعى ذلك المرضى الى سكون انفسهم الى الاستسلام في يديه، وكان علاجه لهم على أفضل الوجوه اذ كان يتقدم فيعلم من العلل الحاضرة وما سيكون من امرهم 129ب. قال جالينوس وليس يشك أحد أن الذي يعلم امور المرضى على ما ينبغي هو اولى الناس بأن يثق به المرضى وليس بأمورهم فقط لكن لانه مع ذلك ايضا حري ان يستعد للشيء المزمع بأن يحدث بهم قبل وقت حدوثه بزمان طويل. وكما ان الحاذق بتدبير السفن في البحر عندنا ليس الذي يجهد نفسه في تدبير السفينة اذا عرض للبحر اضطراب وذلك انه لا يؤمن عليه ان تغلبه شدة قوة الرياح وحركة البحر، يكون حاذقا عندنا القادر على ان يعلم كون تلك الحركة قبل وقت حدوثها بمدة طويلة بالمحايل الدالة عليه، فان وجد مرسى قريب بادر فارسى اليه، وان منعه من ذلك عظم اللجة احتال بكل حيلة لا جرار سفينته وحياطتها من الآفات وهو في مهلة قبل ان يقع الهول والاضطراب. كذلك افضل الأطباء من علم ما سيحدث بالمريض فاستعد له قبل ذلك بمدة طويلة وتأهب وهيأ ما يحتاج اليه لشيء شيء مما يحدث. فقد أتضح مما قاله جالينوس ومما قاله بقراط انه لا يتم للطبيب التقدم بالانذار الا من بعد علمه بطبيعة المرض ولا يتم له ذلك الا بعلم كم اجناس الأمراض وانواع كل جنس وفصوله وعلاماته واسبابه، ولا يتم له احكام علم ذلك او يعلم ما الامور الطبيعية وكم هي ويقسمها بفصولها ويخصها بخواصها لان بعلم هذه الامور الطبيعية يعلم الامور الخارجة عن الطبيعة اذا علم الضدين معا من المضاف، فلذلك من جهل احدهما جهل الآخر وبغير شك ان المرض ضد الصحة، والصحة طبيعية 130و كذلك اسبابها وعلاماتها فالمرض وأسبابه وعلاماته اذن 131غير طبيعية وليس عمل الطبائعي خاصة غير حفظ الصحة اذا وجدها لبدن الانسان، والتماسها اذا وجد المرض قد نفاها وأعدمها، ولذلك قال جالينوس ان قصد الطب التماس الصحة وغايته احرازها، واذا كان الأمر على
129ب) يقصد المؤلف بذلك تقدمة المعرفة. والتكهن بما ستؤل اليه حالة المريض. واول من كتب في هذا الموضوع هو ابقراط. وكتابه بثلاث مقالات (ابن اصيبعة ص 254 وفسّر جالينوس هذا الكتاب باسم مقدمة الانذار لجالينوس، وترجم فريق حنين بن اسحاق الكتاب الاصل الى العربية(ابن ابي اصبيعه ص 272) .
130)يقصد بذلك ان الصحة هي الحالة الطبيعية. وان المرض حالة طارئة غير طبيعية.
131)في الأصل (إذا) والصحيح ما اثبتناه