الأول إلى يومنا لا يخلو قرنٌ من بيان"الاختلاط وتحريمه"بل وفي سائر المذاهب الفقهية، مع الإقرار أن الفقهاء في سائر القرون على هذا المصطلح، خاصة، وما في حكمه ومعناه.
ففي السنة ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن جريج قال قلت:"لعطاء بن أبي رباح: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة من الرجال، لا تخالطهم".
وروى أبو داود في حديث حسن من سننه عن أبي أسيد الأنصاري: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: (( استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن -أي ليس لكن أن تسرن وسطها- الطريق عليكن بحافات الطريق ) )فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به" [رواه أبو داود: 5272] ."
وزعم الدكتور أن مصطلح"الاختلاط"حادث، ولا تعرفه دواوين الشريعة، هو من القطع بغير تقدير، والخبط الذي ليس من العلم في قبيل ولا دبير، وما يدري الناقد من أي باب يلج إليه، ليُنير فيه مصباح الحق، فهو دارٌ مشرعة الأبواب والزوايا، وما يزال الرجل في فُسحة من أمره حتى يضع علمه في قِرطاس العلم، فالعقول محابر، والأقلام مغاريف، وكُل إناء بما فيه يَرشح.
فأما دعواه أن"الاختلاط"مصطلح حادث لفظًا ومعنىً لا تعرفه"قواميس الشريعة"ولا"مدونات أهل العلم"، فينيره العلم: ففي القرن الأول والثاني: قال فقيه البصرة التابعي الجليل الحسن البصري (22 هـ-110 هـ) : إن اجتماع الرجال والنساء لبدعة. رواه الخلال. وبمعنى قوله قال إمام التفسير من التابعين مجاهد بن جبر (21 هـ-104 هـ) كما رواه ابن سعد في (الطبقات:8/ 157) : قال مجاهد في تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (الأحزاب:33) : كانت المرأة تخرج فتمشي بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية. وبنحوه قال عطاء بن أبي رباح كما تقدم، وقد ضرب عمر بن الخطاب من اختلط بالنساء من الرجال كما يأتي.