بسم الله الرحمن الرحيم
القلم يُخلّد ما يسطره، وأما اللسان فجُل ما يلفظه يُطوى ولا يُروى عند الخلق، لذا خصّه الله بالقسم {وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (القلم:1) وقد كان القلم زمنًا قسيمًا للحكمة، والروية تتبع الخط ما لا تتبع العبارة، والأصل اقتران العلم بالقلم {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق: 3، 5) ، وأما الآن فيحمله كُلُّ أحد، وهو أمارة الساعة، وقبض العلم، في الحديث (( بين يدي الساعة يظهر القلم ) ) [رواه أحمد 3860] .
وفي هذا الزمن استوى القلم باللسان منزلة، فأصبحت السطور أكثر من الأصوات، واللسان فيه أكثر إنصافًا من القلم، واللفظ أعدل من الخطّ.
وقد كان العقلاء وسادات الناس، يقدم إليهم الرسول أضناه التعب وأنهكه الطريق، ومعه لسان ناطق وعقلٌ يحفظ، ومع ذا فلا يُلتفت إلا لما في يديه من"مكتوب"ممن وراءه؛ لأن القلم حرٌ مُتجرد، وإناء يُعطي ما وضع فيه، واللسان لا يسلم من نزوة النفس وتأويلاتها.
ومجالس الناس مليئة بفضول القول ورديء اللفظ، ولا يلتفت إلا للمكتوب؛ لأن القلم قلمٌ واللسان لسان، يحمل اللسان الصغير والكبير والمجنون والعاقل، وأصبح القلم الآن مثله، بل أصبح اللسان أكثر إنصافًا منه، ترى من يكتب المنكر ورديء القول وأمام الناس سيد في الأدب والدين.
وحينما قرن النبي صلى الله عليه وسلم (ظهور القلم) في آخر الزمان مع (قبض العلم) إشارة إلى قَبض الأكفِ الأقلامَ كما تقبض الرؤوسُ الألسنَ بلا لزوم علم ورجاحة عقل.
وأصبحت تبعة القلم أعظم من تبعة اللسان، على الكاتب والقارئ، ففي الخبر: (( وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) ) [رواه الترمذي 2616] ، والأقلام أشد أثرًا على صاحبها في عاقبته.