وأما القارئ فيُدرك أن الرحم والوشائج بين العلم والقلم منفصلة بالقدر الذي ينفصل معه العلم عن اللسان في الأزمنة الغابرة.
وكثيرٌ من الجهلة المطبوعين يفرغون ما في أذهانهم في الغابر في مجالس أمثالهم، منهم من ينقطع أثر كلامه قبل أن ينطقه بلسانه، ومنهم من لا يبلغ كلامه أذن جليسه، ومنهم من يقتسر المَسامع فيحملها إلى الأذهان عبأً ثقيلًا، وتبلغ عقلاء الناس ولا يرفعون بها رأسًا.
وكثير ممن له نصيب معرفة، لم يُدرك حقَّ الإدراك أن أقلام اليوم ألسنة الناس في السابق، أدركته سكرة الأقلام فأرسلها وشأنها، وأعفاها من ولاية العقل عليها، وأجراها في الوعر والسهل، وأنطقها بالصواب والخطأ، أكبته حصائدها في النار على وجهه، بعد أن تكسوه في الدنيا سربال عار لا ينسل منه، و تحشر له من العداوات ما لا قرار معه.
وكثير ممن يثق بمنصبه وجاهه أو جودة قلمه يظن أن في ذلك ما يقوم مقام حجته، فيَكتب ويتكلم ولا يستحضر إلا ثقته تلك، ويغيب حينها عنه أن قلوب ذوي العقول موازين لا تزن بها أحدًا إلا كادت أن تضعه على حقه في ميزان عدل منها، فلا يزنون بميزانه هو، فإن الهر ليس من قبيلة الأسد، إلا في ميزان أحناش الأرض.
وإذا شُغل قلب الإنسان بشيء فبقدر استعمار ذلك الشيء لقلبه، يكتب ولا يستحضر إلا هو، وينطق ولا يرى إلا هو، وربما حمل القلم ليُخاطب آلاف القراء، والقارئ يرى أنه لا يعنيه بل لا يعني إلا واحدًا استحوذ على قلبه، ورأى البشر في صورته، يراه في رأس قلمه عند تسطيره، وبين عينيه عند حديثه.
وكثيرًا ما يُعظم الكتاب الأمور الصغار في ميزان العقل والنقل؛ لأنها عظيمة في عين من لا يرون إلا بعينه، وتراخيهم عن الأمور العظام تراخي الحبل لا يجد ما يشده، يسطرون بلا تحقيق، ويتحدثون بلا تمييز، لذا ترى تناقضًا في كتاباتهم، لم يستقر لهم أصل ولم يصح لهم فرع، والفكرة لديهم أشبه بالظل يرمي تارة ويفيء أخرى؛ لأن الكُتاب متباينون في قدر استعباد قلوبهم وتحررها، وكثير من الكتاب عبيد في نوعٌ من الرق لا يُطرح إلا في سوق الكتابة، ولا يراه إلا الأحرار.