يكتبون ما لا يعتقدون، ومع ذا يدّعون أنه الحق لكسبٍ زائل، وحظ من الدنيا وضيع {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} (البقرة: 79) .
يتدثر الكثير منهم بدثار الحرية، والقلب مملوك؛ لأن للحُر أخذة تأخذ القلوب إلى التأسي به، والثقة بقوله، وقد كان عمر يضرب الإماء إذا لبسن لباس الحرائر، مغتفرًا في ذلك ظهور العورة، معتبرًا أن الحرة مطلبٌ وإن شانت، والأمة مزهد وإن زانت، وعين الحرة عفيفة، وعين المملوكة ميالة، وزلة الأمة لا يُعتد بها كالحرة، وزلة الحرة قدوة، وإن اجتمع لباس الحرية وزلة الأمة فذاك مطلب الغرائز، ومجلبة أبناء السفاح.
ونحن في زمن تُضْرَب الأقلام المماليك حتى تلبس لباس الأحرار لتأخذ قلوبَ القراء إلى الاقتداء والتأسي، ويكثر نتاج أفكار السفاح، وقد جاء في"الصحيح": (( أنا خصم رجل باع حرًا فأكل ثمنه ) ) [رواه البخاري 2227] .
تباع وتشترى الأفكار بأقلام مماليك، تتنوع أثمانها بتنوع أطماع حامليها، ومن أحب شيئًا طمع فيه وتنزل في سبيل الوصول إليه، فالكبائر في سبيله صغائر، وإذا كان الحب يعمي عن المساوئ فالبغض يعمي عن الحقائق والمحاسن، وكثيرٌ منهم لا يُدرك أنه عبد مكبل الكفين مغلول الخُطى، إلا عند فراغ قلبه من شاغله، وربما لا يفرغ قلب الواحد منهم إلا عند حضور الأجل!
ومن شغل قلبه بالله وأخلاه عمن سواه، تكلم لله وسكت لله، بالقدر الذي يريد الله، وعرف حدَّه من عَرَض الدنيا، وأن الزيادة على الكفاية نقصان منها.