فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 143

أولًا: أن المصائب والمحن بأنواعها دقيقها وجليلها وظاهرها وباطنها لا تنزل إلا بذنب، ولكن تتباين الحِكم من نزولها فلله في المصائب لطف ونكاية، يظهر أثرها لمن تأمل الحال من أهل المعرفة، والإنسان أبصر بنفسه من غيره في الغالب.

وهذا أصل بينه الله في مواضع كثيرة من كتابه، وبينه صلى الله عليه وسلم كذلك، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} (النساء:79) وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته ) ) [رواه مسلم 2573] .

وقد تقع بعض النوازل والمصائب، فلا يجد المصاب سببًا من أول وهلة يُوجب نزول المصيبة، وربما ضجر، ولم يظهر له سبب البلاء لغفلة جبل عليها الإنسان عن أخطائه، ولذا قال تعالى حاكيًا حال الصحابة بعد مصيبة غزوة أُحد: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:165) .

فالله تعالى استفهم استفهامًا إنكاريًا تعجبيًا أن يجهل ذلك مثلهم مع سبقهم في الفضل والعلم والديانة.

فالمصائب وإن كانت دقيقة محتقرة هي من العبد وذنوبه، فقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها ) ) [رواه البخاري 5640] .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف بن عبد الله قال:"كان ابن مسعود يمشي فانقطع شسعه فاسترجع فقيل: يسترجع على مثل هذا؟ قال: مصيبة".

ثانيًا: أن المصائب تنزل بالصالحين وبخيار الخلق ولكنها تختلف أثرًا وحكمة فيهم، فقد أخرج أحمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وجع فجعل يشتكي ويتقلب على فراشه فقالت عائشة: لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الصالحين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت