فقلت: ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: (( أو مسلمًا ) )ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (( يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار ) ) [رواه البخاري 27 ومسلم 150] .
فرسول الله صلى الله عليه وسلم رأى إعطاء المفضول وحرمان الفاضل لحِكمة خفية غالبة للقاعدة الأصلية في إكرام الناس بحسب تفاضلهم، وهي تأليف القلوب وكسب المودة، وهذا كما أنه حكمة بشرية بالغة في أبواب العطاء والمنع، حفظًا لتوازن العباد في الدين والدنيا، فهو في باب الحِكَم الإلهية في المنع والعطاء ألطف وأدق؛ لأن الخالق ألطف وأحكم وأعلم من العباد بحالهم.
فإذا كان هذا لحاكم يشترك ضعفًا وفاقة وجهلًا مع رعيته في جنب علم الله وقوته وحكمه ولطفه فالواجب أن ندرك أن لله حِكَمًا كثيرة في سياسة الخلق تدق عن فهم كثير من العلماء، فضلًا عن العامة، له حكمة تناسب سعة علمه المطلقة، وللإنسان حكمة تليق بقلة علمه.
وكثير ممن ينظر إلى الماديات وأسبابها ولا يتجاوزها في تصرفات المخلوقين مع بعضهم، يطبق ذات النظر بنفس البساطة في تصرف الله في أحوال مخلوقاته، ويجهل أن الحكمة في وضع سير الكون وتنظيمه اقتضت أن يجعل الخالق حجابًا بين تصرفه في المخلوقات وأحوالها، وبين تصرف المخلوقات بإذنه في أنفسهم وأحوالهم بمقتضى الإرادة الممنوحين إياها.
وقد بين الله كثيرًا من أصول تلك الحِكم بيانًا مجملًا، وأخفى سبحانه أكثر الحِكم في آثار المصائب والمحن على العباد، فتظهر للإنسان حكمة وتخفى عليه حِكم، والإنسان فيها بحسب يقينه بالله وقوة إيمانه بأسماء الله ومعانيها، والتي منها (الحكيم واللطيف والخبير والقوي والعزيز والجبار) فمن صاحب يقينه بالله علم ومعرفة بأسماء الله وصفاته أدرك ما لم يُدركه غيره، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (( إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة ) ) [رواه البخاري 2736 ومسلم 2677] رواه البخاري.
وإن من الأمور المهمة التي يجب إدراكها في هذا الأمر: