والتناصح والتكافل، ويتعامل أعضاؤه فيما بينهم بالكرم والسخاء لا يكاد يحس أحد فيه أن أحدًا من إخوانه بحاجة إلى مساعدته إلا سارع إلى الأخذ بيده [1] .
وعامل فيه الأغنياء إخوانهم الفقراء بالإعانة متطوعين، أو بالتعاون العادل على الأقل فلا بد أن تنشأ وتنمو صعدًا عواطف التحاب والتناصح والتناصر في قلوب أفراد مثل هذا المجتمع وتبقى أجزاؤه متكافلة متساندة فيما بينها ولا تتطرق إليه عوامل التنازع والتصادم الداخلي أبدًا وأن تكون أسرع كذلك إلى الرقي والكمال والازدهار من المجتمع الأول.
وقس على ذلك ما تتصل به مختلف أمم الأرض وشعوبها من العلائق الدولية فيما بينها فإنه من المستحيل إذا عاملت أمة، أمة مجاورة لها بالعطف والكرم وسعة القلب والمواساة، وكلما نزلت فيها نازلة من الدهر أن تلقى منها الجواب على برها بها، بشئ غير الشكر والحب والإخلاص ولكن إذا عاملت هذه الأمة جاراتها بالأثرة والقسوة وضيق القلب واستغلت مصائبها وشدائدها، فقد تنال بذلك منفعة مادية كبيرة بصورة المال، ولكن لا يمكن بحال من الأحوال أن يبقى لها في قلب جاراتها شيء من عواطف الحب والصداقة والإخلاص، وهل أتاك حديث إنكلترا إذ طلبت من أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية أن تعقد معها اتفاقية دين كبير يعرف باتفاقية (برتين دود) وبيان ذلك أن إنكلترا كانت تريد من أمريكا - وقد كانت حليفتها في الحرب - أن تمن عليها بالقرض بدون شيء من الربا، ولكن أمريكا ما رضيت بذلك وأبت أن تقرضها إلا بالربا، واضطرت إنكلترا لمشاكلها العديدة أن ترضى كرهًا باداء الربا، وأما الأثر الذي تركه ذلك في الشعب الإنكليزي في ذلك الزمان، فإنه مما قاله اللورد كينز الراحل وهو يلقي خطبته في دار الشيوخ بعد
(1) - الربا للمودودي: (41) الربا وأثره على المجتمع (108) ، مراجع سابقة.